اغلاق

العرب وسباق الاحتمالات (2)


مؤشرات على التدخل الأجنبي والدور المشبوه للمعارضة في الخارج

مؤشرات
كثيرة هي المؤشرات التي تدل على التدخل الأجنبي في معظم ما يجري في المنطقة. منها المعلومات التي تكاثرت عن الاستعدادات التي كانت تجري لإحداث تغييرات في المنطقة وفق المقياس الأمريكي. وهي استعدادات كثرت الوثائق والتصريحات حولها. ومن ذلك تصريحات الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية (امان) الجنرال "عامواس بادلين" اثناء تسليمه مهامه لخليفته "أفيف كوفي" في تشرين الأول 2010 حيث قال: (لقد نجحنا خلال أربع سنوات في الوصول إلى شمال افريقيا, حيث تقدمنا إلى الأمام وذلك من خلال نشر شبكات الجواسيس في ليبيا وتونس والمغرب وتركيز نشاط هذه الشبكات على مكونات ومقومات هذه البلدان) وأضاف قائلاً: (لقد أصبحت هذه الشبكات تضع كل ما نريد تحت أيدينا وهي قادرة على التأثير السلبي في مجمل أوضاع ليبيا وتونس والمغرب). معتبراً (ان ذلك يعد انجازاً كبيراً بعد انجازات العراق واليمن والسودان بالإضافة إلى الإنجازات المنتظرة في القريب في لبنان).


فإذا استذكرنا مع هذه التصريحات ما جاء في محاضرة وزير الأمن الداخلي الصهيوني الأسبق "افي ايختر" في تشرين الأول من عام 2008, التي ألقاها في العاصمة البريطانية لندن, تحت عنوان "أبعاد الحركة الإستراتيجية الإسرائيلية القادمة في البيئة الإقليمية" حيث تحدث عن سعي إسرائيل لـ (خلق الفوضى وإثارة الصراعات واستخدام قوى داخلية وتوظيفها لتؤدي المهمة بدلاً من التدخل المباشر, كذلك التوظيف لجماعات أثنية وطائفية أو قوى معارضة لديها الاستعداد مقابل دعم تطلعاتها للوصول إلى السلطة, والعودة أيضاً إلى إقامة أو تجديد تحالفات إسرائيل مع دول الجوار على غرار حلف المحيط الذي شكله (ديفيد بن جوريون) في منتصف الخمسينات مع تركيا وإيران وأثيوبيا في نطاق إستراتيجية شد الأطراف أي شل قدرات دول مثل العراق وسوريا والسودان حتى لا تستخدم في المواجهة مع إسرائيل).




تحضيرات
ثم إذا ربطنا مضامين هذه التصريحات والمخططات مع مصطلح (الفوضى الخلاقة) الشهير, الذي أطلقته وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة "كوندليزا رايس" لاستيلاد الشرق الأوسط الجديد, خاصة اثناء عدوان تموز في لبنان عام 2006, ثم ربطنا هذا المصطلح مع تصريحات وزيرة الخارجية الأمريكية "هيلاري كلينتون" في كانون الثاني من عام 2011 في الدوحة, وهي تخاطب ممثلين عن مؤسسات المجتمع المدني والحكومات في الشرق الأوسط وشمال افريقيا, حول "إنعاش النظام السياسي الراكد" وحول "غرق مؤسسات المنطقة في الرمال" وعن "مؤشرات الأمل في وجود شرق أوسط جديد وخلاق" عرفنا حجم التحضيرات الغربية لإحداث الفوضى والقلاقل في البلاد العربية وهو بالضبط ما تحدثت عنه صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية يوم 14 نيسان 2011 عن ضخ الحكومة الأمريكية, لملايين الدولارات عبر وكالات مختلفة من داخل وخارج جهازها الرسمي, لتحريك مجموعات من المنظمات الممولة من قبل الحكومة الأمريكية التي تعمل تحت شعار الترويج للديمقراطية, في الدول العربية. وتأكيد الصحيفة بأن الحملات الأمريكية لعبت دورا ًفي إثارة الاحتجاجات القائمة في بعض الدول العربية أكبر مما كان يعتقد سابقاً, حيث دربت الولايات المتحدة الأمريكية قادة بارزين على كيفية شن الحملات والتنظيم, من خلال وسائل الإعلام الجديدة. وقد كشفت الصحيفة هوية عدد من المجموعات والأشخاص الضالعين مباشرة في الانتفاضات في المنطقة, من بينها "حركة شباب 6 ابريل" في مصر, ومركز حقوق الإنسان في البحرين, وناشطين مثل انتصار قاضي, في اليمن حيث علقت لصحيفة بالقول: إن هؤلاء وغيرهم تلقوا تدريباً وتمويلاً من مجموعات مثل "المعهد الجمهوري الدولي", و"المعهد الديمقراطي الوطني" والمنظمة الحقوقية المتمركزة في واشنطن "بيت الحرية", علماً بأن المعهدين الديمقراطي والجمهوري منبثقان عن الحزبين الديمقراطي والجمهوري في أمريكا, فيما تتلقى منظمة "بيت الحرية" الجزء الأكبر من تمويلها من الحكومة الأمريكية, ومن وزارة الخارجية الأمريكية على وجه التحديد.


كما ذكرت الصحيفة, بأن بعض من وصفتهم بزعماء الشباب المصريين, حضروا اجتماعاً حول التكنولوجيا في العام 2008 في نيويورك, حيث تعلموا كيفية استخدام شبكات التواصل الاجتماعي, كالفيسبوك وتويتر, وتقنيات الهاتف النقال, للترويج لتحركاتهم.


وتؤكد التقارير انه في إطار مبادرة الشراكة الشرق أوسطية تم عقد 350 برنامجاً منذ عام 2001 تحت إدارة الخارجية الأمريكية خضع خلالها عشرات آلاف من الشباب العربي للتدريب والتعبئة والتشبيك باستخدام وسائل الاتصال.


وكان موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك, ومحرك البحث غوغل, وقناة تلفزيون الأغاني "أم تي في", ووزارة الخارجية الأمريكية, وكلية القانون في جامعة كولومبيا, من بين الراعين لهذا الاجتماع. وعن هذا الاجتماع يقول باسم فتحي, أحد المؤسسين لحركة الشباب في مصر: "تعلمنا كيفية تنظيم وبناء التحالفات.. هذا بالتأكيد ساعد خلال الثورة". أما اليمينية انتصار قاضي التي دربها الأمريكيون فتقول: (لقد ساعدني ذلك كثيراً لأنني كنت اعتقد ان التغيير لا يجري إلا بالقوة المسلحة).


وتؤكد المصادر الموثوقة في العاصمة الأمريكية, ان نائبة مدير المخابرات الأمريكية "ستيفاني اوسوليفان" التي أمضت 30 عاماً في عالم المخابرات, كانت أحد كبار المسؤولين عن شبكات التواصل الاجتماعية التي استخدمت من طرف إدارة أوباما.


تقارير وبرقيات
فإذا أضفنا إلى ذلك التقرير الذي نشره موقع "سويس انفو" Swiss Info الرسمي السويسري في 26/2/1010 بالعربية والذي تضمن ملخصاً لدراسة أمريكية بعنوان "دعم الديموقراطية ضروري للمصالح الأمنية", بالإضافة إلى لقاءات مع ثلاثة امريكيين وضعوا تلك الدراسة وهم د. دانييال برومبيرغ (اليهودي), والبروفيسور لاري دايموند, وفوكوياما صاحب "نهاية التاريخ" وقد صدرت الدراسة عن "معهد السلام" الرسمي الأمريكي الذي انشاه الكونغرس الأمريكي عام 1984 لدراسة حل النزاعات, وله برامج تدريبية ونشاطات في ثلاثين دولة حول العالم وهذه الدراسة أعدت للرئيس الأمريكي اوباما وللدوائر المعينة في الإدارة الأمريكية واهم ما ورد في هذه الدراسة:
1. ضرورة إعادة إنتاج الأنظمة المتعاونة مع الولايات المتحدة في المنطقة العربية بصيغة ديموقراطية, لأن وضعها الحالي يجعلها فاقدة للمشروعية والتاييد الشعبي, مما يتركها ويترك المصالح الأمريكية معها في حالة من عدم الاستقرار.
2. ان المواطن العربي يربط بين السياسيات القمعية لتلك الأنظمة وبين تحالفها مع الولايات المتحدة مما يزيد منسوب العداء للولايات المتحدة في الشارع العربي وبالتالي يجب ان تسعى الولايات المتحدة للضغط جديا على الأنظمة الموالية لها للقيام بإصلاحات حقيقية باتجاه الليبرالية السياسية ولانتقادها علناً عندما تنتهك حقوق الإنسان ولاستخدام الدبلوماسية العامة والخاصة لفرض التحول.
3. ان تسعى الولايات المتحدة الأمريكية إلى تسويق الصراع العربي الإسرائيلي كأحد مصادر النقمة الشعبية العربية على الولايات المتحدة وكاحد ذرائع الأنظمة لاعاقة "التحول الديموقراطي" مع الضغط باتجاه فرض "التغيير الديموقراطي".


هذا وقد تضمنت الدراسة توصيات تتعلق بكل من مصر والأردن واليمن والمغرب ولبنان.


من جانبها نشرت صحيفة "افتنبوستن" النرويجية يوم الجمعة 28 يناير برقيات, حصل عليها موقع "ويكيليكس" أظهرت ان الولايات المتحدة دفعت عشرات ملايين الدولارات, إلى منظمات غير حكومية في مصر تعارض النظام. وجاء في برقية مسربة صادرة عن السفارة الأمريكية في القاهرة بتاريخ 6 ديسمبر 2007 ان الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (يو اس أيد) خصصت مبلغ 66 مليون دولار في عام 2008 و75 مليون دولار في عام 2009 لبرامج مصرية لنشر ما سمته الديمقراطية والحكم الجيد.


كما ذكرت الصحيفة النرويجية التي حصلت على كافة البرقيات الدبلوماسية الأمريكية التي سرَّبها موقع "ويكيليكس", وعددها 250 ألف وثيقة أن الولايات المتحدة أسهمت بشكل مباشر في بناء القوى التي تعارض الرئيس مبارك.


لم تفعل الولايات المتحدة الأمريكية ذلك كرهاً بمبارك ونظامه لكنها كانت تدرك ان هذا النظام قد استنفذ أغراضه وصار عبئاً عليها. ولم يعد بمقدور الشعب المصري الصبر عليه أكثر.


إنفاق تافه
ويقول "رون نيكسون" الذي أعد تقرير نيويورك تايمز المشار إليه أعلاه: (حتى عندما كانت الولايات المتحدة تسكب مليارات الدولارات في البرامج العسكرية الأجنبية وحملات مكافحة الإرهاب, فإن نواة صغيرة من المنظمات الممولة من الحكومة الأمريكية كانت تروج للديمقراطية في الدول العربية الاستبدادية. وكان المال الذي انفق على تلك البرامج تافهاً بالمقارنة مع الجهود التي قادها البنتاغون, لكن عندما يراجع المسؤولون الأمريكيون وغيرهم انتفاضات الربيع العربي - وأول من استخدم مصطلح الربيع العربي هي "هيلاري كلينتون" - فإنهم يلاحظون بأن حملات الولايات المتحدة لبناء الديموقراطية لعبت دوراً أكبر بإثارة الاحتجاجات مما كان يُعرف سابقاً, بوجود قيادات رئيسية في حركات الاحتجاج, ممن تم تدريبهم على يد الأمريكيين في الحملات والتنظيم عبر أدوات وسائل الاتصال الجديدة ومراقبة الانتخابات. حيث يقول مسؤول أمريكي هو "ستيفن ماكنير" عن هذا التدريب: (هذا التدريب قد يكون لعب دوراً في النهاية بما حصل لكنها كانت ثوراتهم).
لقد كان تمويل وتدريب هذه المجموعات والجماعات مصدر توتر بين السلطات في البلاد التي تعمل فيها هذه المجموعات والجماعات خاصة في مصر والبحرين واليمن, وبين الإدارة الأمريكية. وتؤكد البرقيات الدبلوماسية ان الإدارة الأمريكية ظلت تطمئن الحكومات العربية, بأن تدريب هذه المجموعات لا يستهدف الترويج للثورات.


أما صحيفة واشنطن بوست فقد كتبت ان واشنطن موّلت سراً مجموعات من المعارضة السورية, وقناة بردى التي تتخذ من لندن مقراً لها, وقد باشرت بثها في نيسان 2009 وكثفت تغطيتها لنقل وقائع الأحداث في سوريا, وفق التصور الأمريكي. وأكدت الصحيفة ان الإدارة الأمريكية قدمت لحركة العدل والبناء السورية المعارضة, التي تملك قناة بردى ستة ملايين دولار منذ عام 2006. وأضافت الصحيفة بأن الإدارة الأمريكية بدأت بتمويل المعارضة السورية منذ عام 2005 واستمرت بتمويلها في عهد أوباما.


كما نشر موقع فيلكا الإسرائيلي الاستخباراتي ما وصفه بخطة وضعتها أطراف عربية, بالتعاون مع السفير الأمريكي السابق في لبنان "جفري فيلتمان" للإطاحة بنظام الحكم في سوريا, بتمويل وصل إلى 2000 مليون دولار. كما لم يعد خافياً على أحد أن مقار معظم التنظيمات العرقية والدينية الانفصالية, أو المطالبة بالحكم الذاتي, موجودة في الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية التي تشاركها نظرية الشرق الأوسط الجديد. كما ان تمويل هذه التنظيمات في معظمه أمريكي. لذلك لم يكن مستغرباً الدور الكبير الذي لعبته ما يسمى بالمعارضة الموجودة بالغرب, في الاحتجاجات التي شهدتها البلاد العربية خاصة سوريا وليبيا وهما البلدان اللذان أخذت فيهما الاحتجاجات مظهراً مسلحاً منذ بداياتها.


الدور المشبوه للمعارضة
لقد أكدت الاحتجاجات التي تشهدها البلاد العربية, الأدوار المشبوهة التي لعبتها وما تزال جل قوى المعارضة الموجودة في الغرب, والممولة غربياً والتي صارت تعلن جهاراً نهاراً, ولاءها للغرب واستعدادها للتعاون مع إسرائيل, وإقامة علاقات طبيعية معها. والسؤال الذي كان يجب أن ننتبه إليه مبكراً: هل يعقل أن تحتضن الدوائر الغربية قوى تسعى إلى تحرير الأمة من التبعية أو تسعى لإحداث حالة نهوض حقيقية لدى هذه الأمة؟



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات