اغلاق

المعلم ، ماذا يريد ؟


تصدرت قضية المعلمين المشهد الاردني منذ بضعة أيام وراحت تتداولها جميع الاطراف المؤثره والمتأثره ، كل على طريقته الخاصه ، وحسب ما يخدم توجهاته ومصالحه ، وربما دون البحث عن الاسباب الحقيقيه للمشكله ، او محاولة لاخفاء العوامل التي دفعت الى وصول الازمه الى هذا الحد ، فعندما استنفذ المعلمون كافة الطرق والوسائل لاقناع الحكومة العتيده بشرعية مطالبهم وأحقيتهم بالحصول على حقوقهم الوظيفيه اسوة بالغالبية العظمى من موظفي الدوله ، وضرورة تنفيذ الامر الملكي بتحسين وضعهم ومنحهم علاوتهم كاملة غير منقوصه ، اضطروا ـ وبعد ان صمت الحكومه آذانها عن مطالبهم ـ الى اللجوء لاستخدام حق دستوري كفله لهم الدستور ألا وهو حرية التعبير عن الرأي بالطرق المشروعه وبما ان الاضراب هو صورة من صور التعبير عن الرأي ، فقد اختار المعلمون هذا الاسلوب الحضاري لايصال صوتهم وقضيتهم الى الرأي العام ، بعد ان اشاح المسؤولون بوجوههم عنهم الا ان الحكومة العتيده رفضت مطالبهم بحجة الوضع الاقتصادي والمالي للبلد فأسقطت كل الخيارات التي طرحها المعلمون وتفتقت اذهان عتاة السلطه عن اللجوء الى ترهيب المعلمين باستخدام التهديدات الاستفزازيه والتلويح بايجاد البدائل لتحييد المعلمين ، في الوقت الذي ناخت فيه الحكومه أمام الذين استخدموا طرقا غير حضاريه شوهت صورة البلاد وسمعتها امام العالم عبر الفضائيات والمواقع الالكترونيه ، وكلنا نذكر كيف ان الحكومة الرشيده رضخت لمطالب حارقي الاطارات وقاطعي الطرق الحيويه ومغلقي ابواب الموسسات الوطنيه والرسميه بالجنازير والاقفال وحواجز الاسمنت ، وما قضية فك دمج البلديات وفصل المدمودج منها ببعيدة عنا حتى أصبح العالم يتندر بنا عبر مقولات ( أحرق عجل واحصل على بلديه ) أو ( احرق عجلين واحصل عين ) ، واذا كانت تكلفة تحقيق مطالب المعلمين تبلغ ثمانون مليون دينار على حد تعبير الحكومه ،فان عملية فصل البلديات والغاء الدمج تكلف الحكومه ما يزيد عن المليار دينار على حد قول احد رموز السلطه في الاردن .
النتيجة اذن ان الحكومه لا تريد لابناء المجتمع الاردني التعبير عن رأيهم بالطرق الحضاريه وتهوى الاثارة التي ترافق حرق الاطارات واغلاق المؤسسات عنوة وبالجنازير والاقفال حتى تبين للعالم بأنها تملك فكرا ديموقراطيا يدفعها الى تحقيق مطالب هؤلاء الناس ، كما ان الحكومه تعمل جاهدة ومنذ بدء الازمه على تضليل الشارع الاردني حول الاضراب فتقلل من شأنه تارة ، وتضخم حجم تكلفته تارة أخرى ، كما انها تقدم بدائل ستكون تكلفتها اضعافاً مضاعفه لما يطالب به المعلمون ، فلا أظن أن تعيين معلمين جدد سواءاً بعقود او بالتعليم الاضافي سيكون مجاناً فهذا لن يجدي نفعا خاصة وان الحكومه لن تستطيع ان تسرح اعداداً كبيره من المعلمين دون اعطائهم حقوقهم التقاعديه ومكافآتهم الماليه مما يجعل من هذه البدائل طلقات في الهواء أو (رمايه من خصر وهمي ) على حد تعبير العسكريين ، وما هي الا اساليب تهويش أو تخويف تحاول الحكومه فرضها على المعلمين .
لقد سعت الحكومه من خلال المقابلات التلفزيونيه والتصريحات الاعلاميه لمسؤوليها الى تجييش كافة الاطراف ضد المعلمين ، فانحاز الجميع الى جانب الحكومه اعلاما ونوابا واجهزة امنيه ، وحتى اولياء الامور انطلت عليهم هذه التصريحات الوهميه ووقف الجميع ضد المعلم ، ما جعل من كل ذلك اعطاء المعلمين الدفعة المعنوية القويه للاستمرار في المطالبة بحقوقهم المشروعه .
اما فيما يتعلق بالمقارنات المفضوحه التي راح يطلقها البعض ، سواء الابواق الاعلاميه المشروخه ،او المسؤولين المتنفعين وأذنابهم ، فلا أظن ان عاقلا راشداً يقتنع بها ، فالذي يقول ان وضع المعلم أفضل من وضع عامل الوطن والآذن والمراسل – مع كل الاحترام لكل منتسبي هذه المسميات - يغمض عينيه عن مقارنة وضع المعلم بوضع موظفي المؤسسات المستقله وموظفي الدوائر الرسمية الاخرى او مقارنتها بوضع مدراء في الدوله يتقاضى الواحد منهم عشرات الالاف من الدنانير رواتب شهريه وكأنهم يبيضون للاردن ذهباً .
أود هنا أن أضع بين يدي الشعب الاردني مقارنة بسيطه بين المعلم وباقي موظفي الدوله بشكل عام وعلى مدى يوم عمل كامل لبيان مدى الظلم والتمييزالذي يعانيه المعلم من حكومتنا الرشيده التي تتباهى دوما بانها على مسافة واحده من الجميع :
1 ـ يبدأ المعلم يومه بانتظار سيارة السرفيس او باص النقل في دور قد يضطره للوقوف زمنا طويلا في حر الصيف او برد الشتاء ليتمكن من الوصول الى عمله ، أو ان يحسب الف حساب لثمن الوقود ان أكرمه الله نواستطاع ان يمتلك سيارة خاصه وكل ذلك دون منحه بدل تنقل او بدل اقتناء سياره أو بدل نوقود ، بينما الغالبيه من موظفي الدوائر الحكوميه تأ تيهم السيساره الفارهه او باص الدائره الى البيت او انهم يمنحوا علاوة بدل التنقل والوقود واقتناء السياره .
2 – يصل المعلم الى مدرسته فيقف في الاطابور الصباحي لفترة كافية الى ان يتشرب جسده برد الشتاء القارص او ان تلون وجهه اشهة الشمس الحارقه ثم يدخل الى غرفة صغيره تكتظ بمجموعة من المعلمين بالكاد يجدون صوبة فوجكا يلتفون حولها لتقيهم برد الشتاء ، أو مروحة سقف كل مهمتها انها تحرك هواء الغرفة الساخن ليلفح وجوههم في الصيف ، بينما معظم موظفي الدوله الآخرين يدخلون الى مكاتبهم فاذا بها في جو دافىء شتاْاً وبارد لطيف صيفاً بفعل التدفئة المركزية او المكيفات.
3 – يبدأ المعلم عمله بالتعامل المباشر مع الانسان فتجده يتعامل من بداية الدوام الى نهايته مع مجموعة الطلاب وعليه ان يستوعب مجموعات من الثقافات والبيئات البشريه لان الطلبة قادمون من بيئات مختلفه وعليه ان يتغلب على صعوبة تعدد الا فكار والمستويات في التعامل النفسي والمعنوي مع هؤلاء الطلاب بينما موظف الحكومه الاخر فان تعامله مع الانسان يكون محدودا في الغالب لانه يتعامل مع ملفات تحتوي وثائق ومستندات فان كانت الوثائق كامله انجز المعامله وان كانت غير ذلك قيكون تعامله مه الانسان ففقط في أن يخبر المراجع بضرورة اكمال الوثائق الناقصه .
4 – لا يجد المعلم في مدرسته اي نوع من الخدمات الادارية ، فهو يجتهد بالحصول على ماء الشرب أو كاسة الشاي في استراحته من خلال اشتراك المعلمين في مجموهات لشراء الماء الصالح للشرب او لاعداد كوب من القهوة أو كاسة من الشاي ، بينما موظفي الدوائر الاخرى فلديهم جيوش من الخدم والمراسلين ليقدمون لهم الخدمات الاداريه وعلى نفقة الدائره ومن سلفتها السنويه دون حسيبل او رقيب .
5 - يتقاضى المعلم راتبا لا يتجاوز المائتين وسبعين ديناراً عند بداية تعيينه بينما تجد ان موظفاً في دوائر الدولة الاخرى يحصل على أضعاف ذلك في بداية تعيينه وهو قد لا يحمل الثانوية العامه ، ويبدأ راتبه بالارتفاع متسارعا ليتضاعف أكثر من مره خلال سنوات بسيطه بينما يتزايد راتب المعلم ببطء شديد وبالكاد يصل الى ضعف راتبه على مدى ما يزيد عن ثلاثين عاما في الخدمه .
6 – عندما ينهي المعلم دوامه في المدرسه ويعود الى بيته يظل متصلا بالعمل من خلال تحضيره لليوم التالي واعداد خطط التدريس المطلوبه منه ، والتحضير للامتحانات وتصحيح الاجابات بعد الامتحان ما يستغرق فيه وقتا طويلاً ودون مقابل ، بينما معظم الموظفين الاخرين تنتهي علاقتهم بوظيفتهم عند نهاية ساعات الدوام وعلى مبدأ (ضع القلم ) ، وان اضطر الى العمل خارج ساعات الدوام الرسمي فانه يتلقى على ذلك أجرا .
7 - لا يجد المعلم أي غطاء قانوني يحميه أمام ما قد يتعرض له من مواقف تكون في غالبها كيدية او مفتعله ، فمن السهل على طالب مستهتر ان يدعي بتعرضه للضرب من قبل معلم فيشكوه للجهات المختصه ، فيقف الطالب بمثابة الضحيه أمام معلمه في دوائر الشرطة وقاعات المحاكم ، ما يجعل المعلم يقع تحت رحمة الطالب وولي أمره وربما متوسلا اياهم باسقاط حقهم عنه حتى لا يكون عرضة للعقوبة عن جرم لم يرتكبه ، بينما موظف الدوله في الدوائر الاخرى محاط بهالة من القدسيه من خلال ما يسمى في قانون العقوبات ب( الاعتداء على موظف اثناء اداء وظيفته الرسميه ) والتي يتخذ منها بعض الموظفين مظلة لممارسة الشكاوى الكيدية ضد المواطنيين والمراجعين.
نعم من حق المعلم ان يمارس حقه الدستوري في التعبير عن رأيه للحصول على حقوقه المشروعه ليتمكن من توفير الحياة الكريمه لآفراد اسرته ، ولا بد لنا من ان نتذكر بأن بيت مال المسلمين في حقبة ما كان مفتوحاً لثلاثة من أصحاب المهن منهم المعلم ليأخذوا ما يريدون دون تحديد سقف معين حتى يستطيع المعلم ان يؤدي رسالته دون الانشغال بالتفكير بقوت أهله وعيش عياله . ولا بد لنا من أن نعي أن كثيرا من الدول المتقدمه والتي نحاول تقليدها في سلوكيات لا تتناسب مع قيمنا وعاداتنتا تضع المعلم في مكانة عاليه بين فئات المجتمع وتقدم له كل الدعم المادي والمعنوي حتى يؤدي رسالته على الوجه الصحيح .
وهذه دعوة الى كل أصحاب الضمائر الحية في مجتمعنا الاردني للوقوف الى جانب المعلمين ومساندتهم لتلبية مطالبهم والحصول على كافة حقوقهم الوظيفية والاجتماعيه.



تعليقات القراء

ياجلالة الملك : لا داعي للنواب
نطالب من جلالة الملك المعظم حل مجلس النواب لأننا لسنا بحاجة اليه في ظل وجود جلالتكم لان جلالتكم وحده من يحب ويقدر ويعتز بالمعلمين . ونوابنا على عكس ذلك تماما . لم يعد لمجلس النواب أي لزوم او ضرورة لانه اصبح رمزللفساد والانانية وتلبية المصالح الشخصية الضيقة . ونوابنا غير قادرين على القيام باعمالهم .
09-02-2012 09:46 PM
ابن الطيطي
لقد كنت مترددا من قرأت مقالتك من عظم ما سمعت وشاهدت من هجوم شرس على المعلميين ، وبعد قرائتها ارجوا ان ترسلها لرئيس الوزراء لقرائتها قبل اطلالته علينا الليلة وارجو ان تزود النواب والوزراء ودائرة الافتاء بنسخ ايضا لعلهم يخجلون من انسهم ويصمتوا على الاقل .ولك الشكر والتقدير من كل معلمى الوطن والشكر لكل مواطن شريف يعرف الحق فيقولة والخزى والعار لكل من كان منافقا مهما كان منصبة ...
10-02-2012 09:23 AM
هيا
ما بدنا مجلس نواب
10-02-2012 09:34 AM
طارق العظامات
او رجل يقول كلمة حق في هذا الوطن او شريف يكتب كلام شريف لك منا معشر المعلمون جزيل الشكر
10-02-2012 11:32 AM
التايه
ع راسي عم ابو ثابت لك كل الأحترام والتقدير .
10-02-2012 01:19 PM
محمد عيد علاونه

شكرا لك على هذا الكلام الرائع
حبيبي يا ابن عمتي
10-02-2012 01:44 PM
حنان ابو راشد
الكاتب العلاونة :
شكرا جزيلا لقلمك الذي انصفنا
10-02-2012 05:34 PM
ابن الاكرمين
ابن الاكرمين
ابدعت
11-02-2012 12:42 AM
صقر1
بس مين يقدر هالتعب وهالشقى ..جزاك الله خيرا ..
11-02-2012 04:09 PM
نائب واحد لكل محافظة
اشكر الكاتب على شعوره الطيب وتعاطفه مع مربي الاجيال



كما ارجو ان يتغير قانون الانتخابات بحيث يكون لكل محافظة نائب واحد فقط لاغراض التشريع وترك الرقابة للقضاء بعد تطويرة مما سيوفر المبالغ التي يتم هدرها على مجلس النواب التي لا ارى اي فائدة منها.
11-02-2012 07:08 PM

أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات