اغلاق

البحث عن الحقيقة: الأردن ٬ إلى أين؟


الكتابة الآن في السياسة هي كالسباحة في مياه هائجة عكره ٬ خطر الغرق فيها كبير وٳمكانيه الرؤيا شبه معدومة. ما نحن بصدده قضايا تجاوزت حدود النظريات و التحليل إلى واقع جديد يجعل البعض سعيدﴽ والبعض الآخر خائفاﹰ ولكنه يضع المعظم في تساؤل قلق ٬ إلى أين؟ و ما هو المصير؟

تنتاب المجتمعات العربية الاصلاحيه حاليا ظواهر متناقضة تدفع الجميع في اتجاهات قد تتقاطع حينا و قد تتضارب أحيانا أخرى. ففي حين ينادي الجميع بالديمقراطية كهدف نبيل و آليةٍ وحيدةٍ للتغيير و الإصلاح و التعبير السلمي, فان نتائج الديمقراطية في المقابل، قد لا تحظي بنفس القدر من الإجماع و التأييد . و هنا يكمن جزء من المعضلة. فأساس الممارسة الديمقراطيه الشفافه و الحُرة هو القبول بنتائجها . و إذا كانت تلك النتائج قد أدت،أو تؤدي، إلى تولي الحركات الاسلاميه السلطة في بعض الدول مثلا فان ذلك يجب أن لا يشكل سببا للتشكيك في جدوى الديمقرطيه في حين ان المطلوب في مثل هذه الحالة هو ضمانات و ضوابط من جميع الأطراف بالالتزام بأسس الدولة المدنية و بالقواعد الاساسيه للديمقراطية بما فيها حق الانتخاب و التداول السلمي للسلطة، و ليس الهجوم على الخيار الديمقراطي و التشكيك به باعتباره خيارا قد يؤدي إلى استلام الحركات الاسلاميه للسلطة وبالتالي القضاء على الدوله المدنيه.

ومع ذلك يبقى الخوف قائما خصوصا بين أوساط العلمانيين. وفي هذا السياق٬ ومن اشد المفارقات غرابة٬ أن ذلك القطاع من الشعب الذي قاد مسيرة التغيير و دفع معظم الثمن من اجل ذلك ، هو الذي انتهى به المطاف على حافة الطريق حيث لم يحصد إلا القليل من ثمار التحول الديمقراطي ونتائجه. إن قيادة العلمانيين العفوية و الجماهيرية لمسيرة التغيير لم تأخد في الاعتبار إمكانية انقلاب الأمور لصالح الحركات الاسلاميه القابعة في ﹶكنف و ضمير المجتمع السياسي بانتظار دورها و حصتها من المغانم السياسية خصوصا و أنها الأكثر تنظيما و الأكثر انتشارا في مجتمعاتها , وبعضها دفع ثمنا باهظا لذلك في حقبة الانظمه الاستبدادية خصوصا في دول مثل تونس و مصر و ليبيا و سوريا. وهكذا فان عدم قراءه الخارطة السياسية لكل مجتمع من مجتمعات التغيير بشكل دقيق وواقعي ربما يكون مسوؤلا عن مجموعة الصدمات و المشاعر المتضاربة التي رافقت نتائج الانتخابات في تلك المجتمعات. وعلى أي حال نحن لسنا في صدد البكاء على ما كان أو الجري وراء سراب ما سيكون و لكننا في صدد التعامل مع واقع قد يكون مريرﴽ و أمورﴽ سوف تتحقق بغض النظر عن موقفنا منها أو عواطفنا تجاهها .

إن ما يجري الآن على أرض الواقع في المجتمعات التي عاشت التغيير و ما نتج عنه سوف يؤثر بشكل مباشر على ما جري و سيجري في بقيه المجتمعات التي ما زالت تستشعر طريقها تجاه الإصلاح و التغيير خصوصا في سوريا و الأردن. فالنظام الاردني مثلاً عمل و ما زال يعمل على استغلال هذا الواقع في بعض الدول العربية لشق الصفوف و إخافة الناس في الاردن من تبعات المضي في مطالب الاصلاح الى النهايه كونها سوف تؤدي الى استلام الاسلاميين للحكم في الاردن.

الدروس لا تتعلمها الشعوب فقط وليست حكرﴽ عليها٬ والأنظمة قد تكون أحياناﹰ أكثر سرعة و براعة من شعوبها في الاستفادة من تلك الدروس و العزف على أوتارها بما قد يؤدي إلى تعزيز مكاسبها والحد من خسائرها. و النظام في الأردن يبدو أكثر براعة من غيره في ذلك حيث انطلق من شرعية دستورية قوية و معترف بها و أستغلها للتلاعب بالتناقضات داخل المجتمع الأردني لتعزيز مواقعه و تقليص الخيارات أمام خصومه المطالبين بالإصلاح الحقيقي إلى حد أصبحت فيه تلك الخيارات اقرب ما تكون إلى المحافظه على الأمر الواقع منها إلى الولوج في عمليه إصلاح حقيقي.

هل نستعين في حديثنا هذا ببعض المقولات الشعبييه القديمة مثل إذا أردت أن تعرف ما سيجري في الأردن فعليك أن تعرف ما يجري في سوريا٬إلى أخر ذلك من مقولات ،أم نكتفي بالقول أن النظام في الأردن يحاول القفز فوق الرمال و المستنقعات ويعوم في عواصف معظمها من صنعه٬ ليس بهدف النجاة و الاستمرار و لكن ، و للعجب ،بهدف تجنب الإصلاح الحقيقي و استحقاقاته ، مفترضا أن البقاء و الاستمرار أمرا مفروغا منه. إذﴽ الحديث هو عن نظام يتبنى خيارات مغلوطة ومعكوسة و أهداف لا تتفق وسياق الأمور و التطورات في المنطقة .

لقد اختار النظام الأردني أن يلبس كل أنواع العمامات والجلاليب من اجل ذلك. تارة العمامه الامريكيه٬ و تارةاخرى البريطانيه و احيانا الاسرائيليه . وفي منعطفات اخرى يلبس الجلباب الاردني ٬ واحيانا الجلباب الهاشمي و مؤخرا الجلباب الخليجي . تارة يصفق مع سوريا و تارة اخرى يصفق مع الجامعه العربيه. هل كل هذا تخبط في تخبط٬ أم ذكاء مفرط يهدف إلى العزف على كافه الأوتار بهدف تحويل اللحن النشاز إلى إيقاع جميل؟

إن اعاده تأكيد الهوية العربيه الأردنيه للبلد و تمييزها عن الهوية الهاشمية للنظام أصبح ضرورة هامه. و هذا التأكيد ليس موضوعا عاطفيا ولا يجوز أن يبقى أمراﹰ يحكمه مزاج شخص واحد . علينا أن نتفق أولا أن الهاشميين هم جزء من الاستحقاق الوطني الأردني و ليس العكس بمعنى أن الأردن ليس تجسيدا للنظام الهاشمي أو ترجمة للاستحقاق الهاشمي . ومن هذا المنظور فان الأردن هو الاصل و ليس الصوره و الهاشميين هم احد مكونات الكيان الأردني باعتبارهم القيادة الشرعية الاردنيه . وعلى هذا الأساس فان مصلحة الوطن الأردني هي التي يجب أن تسود و ليس مصلحه النظام و ذلك في حال وجود أي تناقض أو اختلاف بينهما . و على النظام بالتالي أن يسعى إلى أن يكون تجسيدا لأراده الشعب و آماله و أن يبتعد عن السياسات و الممارسات التي تهدف إلى تطويع الدولة و المجتمع ليكونا في خدمه النظام و أجنداته الخاصة ، الخفية منها و المعلن سواء بسواء.

الأردن٬ كما يبدو٬ يتجه الآن الى مأزق واضح المعالم وان كان مجهول النهايات. والسبب في ذلك يعود الى ضعف امكانات الحركه الأحتجاجيه الاصلاحيه الأردنيه من جهه٬ و إصرار النظام على تسخير كافه امكانات الدوله للألتفاف على مطالب الحركة الأصلاحيه الاردنيه من جهه أخرى. إن هذا الوضع أصبح يتطلب٬اكثر من أي وقت مضى ٬ التأكيد على عروبة الدولة الأردنية كرد على سياسات معروفة الأصول وإن كانت مجهولة العواقب٬ وكذلك للحد من لعب أدوار قد تؤدي إلى الاخلال بهويه هذا البلد العربي. و في نفس السياق ٬ فإن التأكيد على أردنية الدولة مقابل هاشمية الدولة هي دعوة الى الفصل و عدم الخلط بين ثوابت الدوله العربيه الأردنيه٬ وسياسات خارجيه قد تزج الاردن للعب أدوار غامضه ضد بعض الدول العربيه٬ أو لمساعدة اسرائيل على الخروج من مأزقها ٬ أو لتسهيل مرور و تحرك قوات غير أردنيه أو تقدِيمُ الدعم لها.

إن الركض في رمال متحركة أمر مستحيل وقاتل في نتائجه و محاولات النظام المتكررة سواء المباشرة منها أو تلك القادمة من مؤسساته المختلفة، وخصوصا الأمنية، للالتفاف على إرادة الشعب الأردني و التلاعب بها و محاولة إخضاعها لعمليات ابتزاز و تخويف مختلفة بهدف تحييدها أو إلغاء مطالبها، جزئيا أو كليا، هو أمر سيعود بالوبال على الوطن الأردني و قد يؤدي إلى تمزيقه بشكل يجعل أمر ابتلاعه من قبل الآخرين قضية سهلة. لا أحد يريد ذلك، و لا أحد سوف يسمح بذلك. مرة أخرى، الأولويات يجب أن توضع في سياقها السليم، مصلحة الوطن أولا و هي فوق مصلحة النظام، و شرعية النظام متفق عليها و هي مستمدة من قدرته على المحافظة على مصالح الوطن الأردني و تلبية طموحات الشعب الأردني. كلام هام ولا أعتقد أن هنالك من يختلف عليه باستثناء أولئك اللذين يريدون اختزال وطن بأكمله في شخص واحد. و هذا ما حاول زين العابدين بن علي، و حسني مبارك، و معمر القذافي وغيرهم فِعْلَهُ وقد دفعوا وجودهم ثمنا لذلك. وما ثورات الربيع العربي إلا على واقع الحال ذاك.

ما يجري الآن في الأردن في غاية الخطورة. ففي الوقت الذي تزداد فيه أعداد الأردنيين اللذين يحرقوا أنفسهم جوعًا وغضبًا٬ هنالك من يتلاعب بالوطن و مصالحه ومؤسساته و يضرب برغبات الشعب عرض الحائط في استهتار كامل أخذ يزداد وقاحة و علنية .هنالك على ما يبدوا مخطط خفي بدأت تظهر معالمه في محاولة لضرب و شل و إفشال و من ثم إلغاء كل مظاهر الاحتجاج الشعبي باعتبارها استنفذت أغراضها. و من أجل تحقيق ذلك، بدأنا نشاهد عمليات ضرب وفر ضد الحراك الشعبي تحت عناوين مختلفة حتى و لو كان ذلك على حساب الوحدة الوطنية وافتراء عليها. مخرجات لجنة الحوار الوطني المتواضعة هي الآن في العناية الفائقة، و الإصلاحات الدستورية المتناقضة شلت الحياة السياسية في البلد، فلا نحن قادرون على حل البرلمان و لا نحن راغبون في بقاءه. وبالتالي فان هذا البرلمان العجيب الغريب الذي خرج من رحم التزوير أصبح مناطا به الآن دسترة و قوننة الإصلاحات الدستورية و السياسية. حال عجيب غريب في الوقت الذي تتآمر فيه على الحكومة الحاليه اجهزه مختلفه متطاحنه فيما بينها بهدف اضافة مزيد من التشتت و الفوضى السياسية الداخلية و إلقاء اللوم في كل ذلك على الحركة الاصلاحيه. إن التلاعب بمقدرات الوطن سوف تؤدي إلى كارثة خصوصا إذا ما نجح النظام في تحييد أو وقف الحراك الشعبي المطالب بالإصلاح ٬ مما يستدعي ضرورة العمل على اعادة النشاط و الفعالية إلى الحراك الشعبي الأردني , ووضع الشواخص التي تهدف إلى اعاده الأمور إلى مسارها الصحيح و إغلاق كافة التحويلات التي وضعها النظام في طريق الإصلاح بهدف تحويل الحراك الشعبي عن مساره الصحيح و زجه في قضايا ومشاكل مفتعله تحوله إلى طرف في نزاعات داخلية مختلفة ومختلقة.

النظام اختار ان يقرأ من كل رسائل النصح والإرشاد التي ترده من قيادات شعبية وحزبية ونقابية ومسؤولين ورؤساء حكومات سابقين الجمل و الكلمات التي ترضيه حتى لو دفع به ذلك الى الخروج عن النص٬ وهو بذلك اختار ان يقع في قبضة المجهول ناسياً أو متناسياً أن الاخطاء عند المفاصل التاريخية الهامة ٬ مهما صغرت ٬ قد تكون قاتله.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات