اغلاق

الدكتور أحمد الأصبحي .. اديب يمني يكتب رواية عن مدينة اثرية اردنية


اصدرمؤخرا الاديب والسياسي اليمني المعروف وعضو مجلس الشورى الدكتور احمد محمد الاصبحي رواية يتحدث فيها عن مدينة اثرية يمنية ردا على الجميل والمتمثل في السنوات التي عاشها في الاردن في القرن الماضي .وقد كتب الاديب اليمني المشهورالدكتور عبدالعزيز المقالح عن الرواية راية فيها الذي نقوم بنشرة .
لم يفاجئني الدكتور أحمد الأصبحي بروايته الأولى (البدّية) فقد كنت منذ وقت غير قصير ألمح خيطاً أدبياً يتوزع بين سطور كتاباته الفكرية والسياسية، وصار الآن يذكرني بعدد من الأطباء المبدعين الذين جمعوا بين الطب والأدب بمختلف مناحيه فكان منهم الشاعر والروائي والناقد الأدبي. ويحضرني دائماً اسم الشاعر الطبيب الدكتور إبراهيم ناجي الذي اختط في دنيا الشعر العربي المعاصر طريقاً حديثاً يميل نحو الرومانسية بمفهومها الأرحب وبالدكتور محمد كامل حسين الجراح، المفكر والناقد الأدبي والروائي صاحب رواية (قرية ظالمة) التي ترجمت إلى أربعين لغة من لغات العالم. وأتوقف أخيراً في هذا الصدد عند الطبيب والروائي والشاعر والقاص والناقد الكبير الدكتور يحيى الرخاوي الذي لا أتردد في القول بأنه واحد من أهم نقاد الأدب الحديث.
وربما وضعتني هذه التوطئة إزاء سؤال طالما تقدم كل حديث عن الأطباء العلماء والمفكرين، ولماذا يميلون إلى كتابة الشعر والرواية بعد أن يكونوا قد قطعوا أشواطاً كبيرة في عالمهم الطبي؟ والحق يقال إن الجواب على سؤال كهذا يبدو صعباً ونسبياً حتى وإن جاء من قارئ يعد نفسه ناقداً متخصصاً، ولعل السبب يكمن في أن الكتابات الفكرية والعلمية تظل عاجزة عن نقل المشاعر الداخلية التي تختلج بها نفس المفكر والعالِم، وما تحفل به من مخزون هائل من التجارب والأفكار لا يمكن الإفصاح عنها بالأسلوب المباشر. ومن هنا يأتي الاتجاه نحو كتابة الشعر والرواية اللذين في مقدورهما أن يحملا بين السطور وفي خفاياها قدراً من العواطف والمشاعر التي تثقل النفس وقد لا تجد تأثيرها المطلوب لو قيلت مباشرة مثلما لو أنها قيلت على لسان شخصيات متخيلة أو واقعية من الماضي أو الحاضر، وفي مجال الرواية تحديداً.
وهذا ما تعبّر عنه وتتمثله رواية "البديّة" (دار أروقة للدراسات والنشر، القاهرة، 2011م) للطبيب والمفكر الدكتور أحمد الأصبحي التي استوعبت ذخيرة هائلة من مخزون معارفه التاريخية والثقافية في إطار سردي على قدر كبير من الترابط والتقنية الروائية. و(البديّة) التي تأخذ الرواية اسمها مدينة أثرية أردنية كانت ذات شأن في عصور ما قبل الإسلام واستمر ذلك شأنها في العصر الإسلامي الأول، إذ تقع على طريق القوافل القادمة من الشام والذاهبة عن طريقه غرباً. كما كانت تصل المنطقة بالعراق والجزيرة العربية وما وراءها، وقد ظلت عامرة ومركز حركة تجارية إلى أن دمرها زلزال عاصف كما تقول الرواية حيث كان مجالها المكاني الأول قبل أن يتحول إلى المدينة ثم مكة، مسترجعة بدقة فضاء هذين المكانين المقدسين وما كان يدور فيها في النصف الأول من القرن الهجري الثاني من أنشطة روحية وعلمية وثقافية، وما رافق ذلك كله من جهود لتأسيس النهوض الفكري الإسلامي الذي وصلت طلائع استنارته بعد ذلك إلى الأماكن القصية من العالم القديم.
يضع الدكتور الأصبحي على غلاف الرواية تعريفاً موجزاً لا يزيد عن كلمتين "رواية تاريخية" وهي بحق سياحة فنية واعية في تاريخ الأمة العربية أثناء فترة بالغة الأهمية، وأعني بها فترة التأسيس للدولة العربية الإسلامية منذ العصر الأموي إلى مشارف العصر العباسي، وما شهدته تلك الحقبة من أحداث جليلة، ومن صراعات سياسية ومذهبية ومؤامرات ودسائس يهدف أصحابها أو أغلبهم إلى الاستيلاء على السلطة وما كان يصدر عن تلك الأفعال من الإعاقة للفتوحات ومن تشويه لأدوار الفاتحين وإساءات مباشرة إلى أشخاصهم كما حدث على سبيل المثال لا الحصر لكل من القائدين الفاتحين العظماء موسى بن نصير وطارق بن زياد. وما نتج عن تلك الأساليب المنافية للقيم وللوفاء من انكسار في نفوس عشرات بل مئات القادة والفرسان الذين كان في مقدورهم إيصال كلمة "الله أكبر" إلى كل بقاع العالم القديم شرقاً وغرباً.
وهنا لا يخفى على القارئ العادي فضلاً عن القارئ المتمرس الإسقاط الذكي على الحاضر العربي الراهن وما تشهده الكفاءات العالية من إهمال إن لم نقل من إذلال، وكأن التاريخ يعيد نفسه، أو يكرر مساره القبيح بأشكال وأساليب لا تختلف كثيراً عن سابقاتها، ولا ينسى الروائي وهو يسترجع بذاكرته اللاقطة الأخطاء التي أدت إلى انهيار الدولة الأموية، وهي الأسباب نفسها التي أدت وتؤدي إلى انهيار الدول الحديثة ومنها -في ذلك الزمن- إثارة العصبية بين القبائل العربية وغيرها من الأساليب التي استمرت تضرب في واقع الأمة العربية والإسلامية إلى لحظة كتابة هذه الرواية الخالية من التعقيد رغم تشابك مساراتها وتعدد أزمنتها وأمكنتها.
إذا كانت (البدّية) رواية تاريخية كما أرادها مؤلفها، فإنها بالإضافة إلى ذلك رواية حديثة في فصلها الأول على الأقل، حيث لعب الواقع مدعوماً بالخيال دوراً رائعاً في خلق بداية رواية هي الأعذب والأجمل، فقد انطلقت من رحلة سياحية تجمع بين الراوي وهو مفكر وأستاذ في التاريخ، ومجموعة من طلاب قسم الآثار في إحدى الجامعات الأردنية، وقد عرفنا الحوار الذي دار بين الراوي وهؤلاء الطلاب أنه يماني من منطقة المعافر في محافظة تعز، وأن اسمه يوسف الشامي، وأن أسرته اكتسبت هذا اللقب وهو اليمني الجذور من جده الأكبر الذي جاء إلى أرض الشام مع جموع الفاتحين وشارك مع غيره بين أبناء اليمن في الفتوحات الأفريقية والأندلسية مع القائد العربي موسى بن نصير واستوطن بعد ذلك أرض الشام واتخذ من البدّية سكناً، وعندما عاد حفيده بعد حين من الدهر إلى موطنه الأصل أطلق عليه أبناء قريته لقب الشامي.
تتطور العلاقة بين أستاذ التاريخ وطلاب الآثار، ويجدها الأستاذ مناسبة ليفيض عليهم من معارفه الغزيرة ما يحقق لهم الوصول إلى نوع من المصالحة مع الذات والأمر الذي هو هنا الإنسان، الطبيعة، التاريخ. وما يجعلهم يهتمون بالقيم الروحية والوطنية، ويزداد وعيهم بأهمية الآثار كبقايا ناصعة من تاريخ ناصع وعظيم، وبالطبيعة الجميلة التي تتميز بها أرضهم بعد أن كانوا يمرون عليها وكأنهم لا يبصرون "لطالما مررنا بهذا الوادي، ولكننا لا نتعامل معه بأحاسيس الأدباء والشعراء، بل نعده مجرد طريق إلى الموقع ذهاباً وإياباً وحسب، ثم إن ما فيه من المناظر قد اعتادت عليها أعيننا في هذا الوادي وفي غيره من الأودية" هكذا يقول الطلاب، فيجيب عليهم الأستاذ: "لا يحتاج الإنسان إلى جهد سوى الإيمان بأن لكل شيء مادة وروحاً، فتأملوا ببصيرة الروح جوهر الأشياء، وإذ ذاك لا تحرمون أنفسكم متعة التلذذ بارتشاف أطايب الطبيعة"ص14
في هذه اللحظات الحميمة التي نشأت بين أستاذ التاريخ وطلاب الآثار تبدأ الرواية في أخذ منحاها الفني والخيالي في انعطافته روائية بالغة الجمال: "أحسست بالشجرة تحنو عليّ حنو المرضعات على الوليد، فاختطفتني غفوة، وهي على قصر مدتها كانت عميقة. وحين تكون الغفوة عميقة تأتي الأحلام والرؤى أكثر وضوحاً كفلق الصبح.. لقد ذهبت الرؤى إلى الماضي الأموي، فرأيت أهل البدّية يعيشون في نعمة وعافية ذات صباح وقور، تطفح وجوههم بالبهجة والانشراح، وهم في حركة دائبة، يمشون في الأسواق، ويحملون الأرزاق، وكل منصرف إلى عمله مزارعين وتجارا، وأطفالاً يتراكضون إلى المسجد ليتعلموا القرآن، ولفت نظري قدوم فتاة في ربيع عمرها يشير مظهرها بأنها من أسرة فقيرة، كانت تحمل جرة ماء على كتفها الغض من عين جارية عند سور المدينة، وأمها تناديها: بديعة تأخرت يا بديعة؟ فلما اقتربت منها سألتها: وأين باقة الورد؟ بكت بديعة أمام أمها، فقد اقتطفت البنات الورد ولم يبقين شيئاً، ويبدو من حديث الأم والبنت أن باقة الورد كانت مصدر رزق يومياً". (ص23)
أثارت بديعة الأموية الفقيرة إعجاب الراوي وفتنته بجمالها الخلاب، والغريب، إنه عندما صحى من غفوته، وجد الشباب وقد أحاطوا به في انتظار حديثه البديع ووجد بينهم فتاة تشبه بديعة التي رآها في الحلم القصير، وكأنها هي، هي. فامتلكت حواسه وجعلته يحصر النظر إليها دون بقية أعضاء الفريق، وقد زادت دهشته عندما علم أن اسمها بديعة، وهكذا يلتقي الماضي بالحاضر وتستأنف الحياة العربية مشوارها وتغدو بديعة الفقيرة التي تبيع كل يوم باقة ورد لتعيش هي وأمها من ثمنها، طالبة في قسم الآثار تصغي بإعجاب إلى الأستاذ الذي أحبها مرتين، مرة في الحلم ومرة في اليقظة، ومن أجلها ومن أجل زملائها بدأ يحكي عن مخطوطة قديمة تركها جده الأول، ولأن المخطوطة كانت قد تعرضت لكثير من عوامل التعرية فقد بهتت بعض حروفها وبعض كلماتها ومنها كلمة "البديّة" الموقع الأثري موضع التنقيب والبحث الطلابي، وكان قد أشكل عليه الاسم بعد أن انطمست بعض حروفه هل هو البديّة أم البديعة؟ وفي سؤال وهو ما يجعله يجزم أن اسم البديّة محرف عن البديعة. وفي سؤال لأحد الطلاب عن العصر الذي عاش فيه جدهُ الراوي يأتي الرد بأنه عاش في القرن التاسع الهجري، أو بعبارة الراوي نفسه "في أواخر عصر التنوير في اليمن" وفي ذلك العصر كتب الجد مخطوطته تلك التي تبدأ بالحديث عن تاريخ اليمن وأزهى عصوره ومنها عصر الدولة الرسولية التي امتد سلطانها من جنوبي مكة وحتى ظفار في عمان.
ومن هنا تبدأ الرواية منحاها التاريخي والمعرفي من الفصل الثاني نقلاً عن المخطوطة التي سبقت الإشارة إليها وهي التي سجل فيها الحفيد أحاديث الجد المتنوعة، من تاريخية إلى دينية وسياسية وتربوية، وهو ما يجعل فيها، –أي الرواية- موسوعة في وصف مدن الشام والحجاز واليمن وأنشطتها العمرانية والتجارية والصناعية في تلك المرحلة من تاريخ الأمة العربية.




تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات