اغلاق

فوبيا الثانوية العامة من جديد


كم تمنيت أن اكتب مقالتي هذه بعد انقضاء عام كامل على مقالتي المتعلقة بذات الموضوع والتي تحدثت بها عن ذات المسلسل المتكرر بشخوصه وأحداثه ووقائعه والمستهدف لذات الضحايا من أبنائنا طلاب الثانوية العامة .. وها أنا أعيد نفس العبارات التي لم ولن أجد غيرها لتكرار الحديث عن الموضوع إياه .. ولكن يبدوا أن القائمين على ذلك لن يبتكروا سيناريو تراجيدي من نوع جديد لتضاف إلى عناصر الملحمة التراجيدية لان البطل التراجيدي تستهويه شهوة النجاح من أجل النجاح وبأي ثمن كان ..

ففي الوقت الذي بدأت فيه وزارة التربية والتعليم خوض الجولة الأولى من امتحان شهادة الدراسة الثانوية العامة للعام الدراسي 2012م .. تعيش كثير من الأسر الأردنية - وأنا وأسرتي منهم - حالة طوارئ وجوٍ من التوتر.. لتوفر لأبنائها الجو المناسب ليشقوا .. طريق مستقبلهم في ديمومة الحياة المعاصرة ..ووفق منهجية تقليدية .. مفروضة عليهم بمنطق مستهلك .. دون مبرر موضوعي أو ذرائعي ودون الأخذ بالتحولات الاجتماعية ومنطق حسابات التفكير الأدائية أو الجوانب المهارية البلومية..أو حتى مهارات التفكير الناقد أو الإبداعي أو الاستدلالي والتي أصبحت بحكم التغيرات التربوية الحديثة مطلب يفرض نفسه .. في ظل متغيرات معلوماتية وتكنولوجية .. وبذلك أشبعنا طلبتنا أفكاراً مستهلكه ضمن نهج تربوي تقليدي مستنزف.. أن السبيل إلى مستقبلهم الدراماتيكي المجهول هو تحصيلهم التراكمي في الثانوية العامة.. كل حسب مقدرتهم على الحفظ والتذكر ليصبحوا – أعانهم الله- مسيرين إلى المجهول الذي يُفرض عليهم بمنطق التنافسية (العادلة) في الجامعات ..والتي توجه مصير شبابنا نحو مزيدا من البطالة الهيكلية المقنعة .. بعيداً عن تلبية حاجاتهم وطموحهم ورغباتهم.. فالعصف التساؤلي هو الذي يعيد الطريق نحو هذا المنطق المستشري .

كم كنا نتوقع أن تعيد وزارة التربية والتعليم حساباتها مع هذه الفوبيا المتكررة .. خاصة وان وزارتنا العتيدة أكدت باستمرار للجميع عبر مفرقعات إعلامية كبيرة أن لا سبيل إلى الارتقاء بالثانوية العامة إلا عبر مؤتمر وطني عام وشامل .. وجميعنا أدركنا أن الوزارة عازمة على المضي قدماً للإعداد لذلك المؤتمر .. بقصد الوصول إلى صيغ جديدة وتغيير قائم على أسس علمية ومداخل تقنية معروفة كالتخطيط الاستراتيجي أو الجودة الشاملة أو إعادة الهندسة أو إدارة المعرفة أو إدارة الإبداع أو الإدارة بالأهداف وما إلى ذلك .. وحسب علمي من مصادر موثوقة أن ذلك المؤتمر المنشود سيعقد في مطلع آذار من العام الجديد 2012م بإذن الله.

إننا نعي تماما أن مؤسستنا التربوية الرسمية تخشى أن تواجه الكثير من التحديات التي تفرضها طبيعة التغيرات خاصة المتعلقة منها بالثانوية العامة.. ونعي أيضا أن الأمر أكثر من انتهاج مداخل القصد من ورائها أي تغيير منشود .. بل ومن الضروري أن يرافق ذلك تهيئة مسبقة للمجتمع الأردني بشكل عام والمجتمع التربوي بشكل خاص ومجتمع التعليم الثانوي بشكل أكثر خصوصية.. فكثير من التجارب التي كان هدفها النهوض بالثانوية العامة خاصة في دول الجوار كان مصيرها الفشل رغم جودتها .. إلا أنها لم تراع أبسط أبجديات التغيير المتمثل في التهيئة المسبقة وعدم إحداث التغيير بشكل فجائي وعشوائي.. ومن وجهة نظري الخاصة أجد حتماً أن الإعلام التربوي يجب أن يمارس فيها دورًا كبيرًا.

أما فيما يتعلق بامتحان شهادة الدراسة الثانوية العامة الحالي فلا أحد ينكر انه يجرى سنويا لأغراض عديدة في مقدمتها محاسبة الطالب على كم المعرفة الحفظية والتذكرية التي بجعبته .. لا من أجل تحسين العملية التعليمية والاعتماد عليها في القرارات التربوية وغيرها.. وبحسب معرفتي المتواضعة بالمعايير التربوية الحديثة والقياس والتقويم التربوي المعتمد على الأسس والقواعد الفعالة فلا اعتقد أن مصطلح المحاسبة التربوية له وجود في قواميس التربية والتعليم لذلك فإنني ازعم وفق المعطيات الحالية إن الممارسات التقويمية المؤسسية لدينا هي ممارسات مكتبية شكلية تمارس بعيدة عن الواقع التعليمي الذي نحن بحاجته .

أما فيما يتعلق بالمنهجية التقليدية التي تتبعها وزارتنا العتيدة للتحضير الجيد للامتحان ذلك ما يستوجب إعداداً للقاعات وللجان المراقبة والتصحيح وما إلى ذلك من طرق الهدر التربوي ..وفي ذلك دعوني أتساءل : لماذا لا تجري عملية أتمتة لامتحانات الثانوية العامة.. ولماذا لا تكون منهجية امتحانات الثانوية العامة معتمدة على مجموعة من وسائل التقييم الحديثة المستندة إلى قواعد إجرائية واضحة ترقى إلى مستوى عال من التطور والتقدم ليقيم أداء الطالب بما ينسجم وطموحة وآماله ونسايره في تحصيله الدراسي عبر مرجعيات تقويم أو بنوك أسئلة مقننة الخصائص السيكومترية باحتراف؟ تمامًا كما في اختبارات التوفل وغيرها.

وفي مقابل ذلك يكون هناك اختبارات للقبول في الجامعات ليقبل الطالب وفقها بناء على محكات تختلف باختلاف الكفايات المطلوبة لكل تخصص.. بحيث تصبح معايير القبول مركبة من اختبار الثانوية بآلياته الجديدة .. واختبار القبول في الجامعة.. بالإضافة إلى اختبار القدرات.. واختبار للاتجاهات والميول وغيرها من المتطلبات.
فالمشكلة التربوية القائمة لدينا في الأردن أن الثانوية العامة تحولت من غاية العلم والتعلّم إلى غاية اجتياز الامتحان ..

من هنا يجب أن ندعو جميعاً .. إلى عمل تقييم شامل ومراجعة عامة وشاملة للمرحلة الثانوية ؟! وأيضا بتحديد المناهج الدراسية وبيداغوجيا التعليم .. وأدوات التقييم التقليدية المختلفة .. وتقصي المناهج الخفية المكتوبة ( مناهج الظل ) التي تعتمدها المراكز الثقافية الربحية كبدائل قوية للمناهج الرسمية .

نحن نحب وزارتنا فلا نريد أن نضع كل اللوم على أجهزتها.. ولكن ..!! لا نريدها أن تستمر في اعتمادها على سياسات تقييم تربوية آن لها أن تتجدد .. وفق المعايير التي سبق وتحدثت عنها .. مراعية بذلك جميع المستويات العقلية للطلبة عند بناء التقييم لنتمكن من إزالة الفوبيا من التوجيهي.. لأننا بالفعل لا نريد أن نرى جدلية غير مبررة في الأسئلة التي لا تحاكي إلا من له القدرة على الحفظ والتذكر .. .. فلنتذكر أنهم أبناؤنا وأفراد هذا التكوين الطلابي لمجتمعنا الفتي ولم يأتوا من قارة أخرى !!
والله ولي التوفيق
Fsltyh@yahoo.com





تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات