اغلاق

الفخ السوري للجامعة العربية


لا احد يستطيع فهم الإصرار السوري على التمسك بمرئياته وروايته الرسمية مع وجود هذا الكم الهائل من المعطيات التي تؤكد على دخول النظام السوري بحرب طويلة الأمد لا ترحم مع شعبه.. وبعكس التوقعات المفترضة مع وصول طلائع المراقبين العرب فقد ازدادت حدة القمع وتغيرت أساليب الاشتباك الأحادي للحد الذي أضحى معه السكوت عنه جريمة بحد ذاته، ولكن على ماذا اعتمد النظام لإدامة وتصعيد القهر وقوننته على شعبه وما هي أهدافه التي يطمع بتحقيقها من خلال مناكفة الجامعة العربية واللعب معها أو فيها ربما..؟.
لقد فهم النظام السوري معنى توقيع البرتوكول بالطريقة التي يريدها واستطاع أن يلعب على العالم باجمعه.. بل واستطاع أن يحشر الرأي العام في زاوية ليس لها مقياس حتى، فالنظام لم يكن يملك الحجة الكافية أمام العالم قبل توقيع البرتوكول، والجامعة العربية لم تكتفي بجميع الدلائل الموثقة خلال الأشهر التسعة السابقة بل وربما بسذاجة مطلقة أرادت أن تضع بصماتها على المسألة السورية فدخلت الكهف السوري الرسمي لتأتي بوادر البرتوكول غيوم سوداء على الشعب السوري في حين صمت العالم بانتظار تصريحات طلائع المراقبين الذين انهمكوا في تفاصيل شيطانية قدمت لهم بطريقة لا تخلو من السخرية.
أصبحت المسألة أكثر تعقيدا أمام جرأة النظام التي قد تأخذ مسمى أكثر حدة، فالحرب النفسية لهؤلاء المراقبين بدأت منذ دخولهم مطار دمشق الدولي وتم توزيع الابتسامات الثابتة عليهم وفرض برامج يومية مقسمة بالساعة لهم وتزويدهم بملفات أشبه باحجيات كوميدية بعد دخولهم فندق السفير في دمشق، وازداد الوضع تعقيدا بعد انتشار بعض الرجال والفتيات الغامضون بين أرجاء المكان، وبدأ التعامل معهم على اعتبار البديهيات في الأحداث ولا مجال للنقاش في غير المؤامرة وعلى المراقبين أن يبحثوا فقط عن المؤامرة..!!.
لقد وقعت الجامعة العربية بلا شك في الفخ السوري الرسمي وأصبحت جموع المراقبين رهائن الحالة المرسومة التي لا تسمح حتى للأفكار أن تأتي لوحدها تحت أنظار الكاميرات والمايكروفونات التي زرعت حتى في حمامات الفريق الملخوم من هول النظرة الأولى التي تكون دوما مهمة..
أدرك النظام السوري أهمية (ليلة الدخلة وقطع رأس القطة من أولها) وأعد للمراقبين استقبالا متفجرا وعليهم تفسيره بالطريقة التي لا تعجبهم بعد الحديث المأساوي من المرافقين ( الزن أمرّ من السحر على رأي الشاميات) الذي أصبح فيه النظام ضحية وأصبحنا جميعا مجرمين، وبخلاف ذلك هي المؤامرة التي اشترك الجميع فيها (غيرة وحسدا) من نظام (المقاومة والممانعة).
في حين كانت بعثة الجامعة العربية في دمشق تتناول الحلوى الدمشقية بانتظار الترتيبات الأمنية للتوجه الى حمص كانت الدبابات تدك بابا عمر والسباع وحي (اللاجئين) وباقي أحياء حمص وتعيد انتشار الدبابات في درعا وحماة وإدلب.. وهيئة السكان كانت تتغير.. فقد أتت من خلف الشمس مجموعات بشرية كاملة دخلت في باصات مظللة وانتشرت بين الأحياء بعد تغيير اليافطات فحي (النزهة) أصبح بقدرة قادر (منطقة باب السباع) .. وكانت أدوار هذه الأحياء المصطنعة مقسمة بإتقان.. فبعض المستوردين من لدن النظام سيلعب دور الشعب المغلوب على أمره من (الإرهابيين) والبعض الآخر سيلعب دور الشعب المؤمن بالرئيس ومعجزاته.. والبعض الآخر سيلعب دور (الإرهابيين) المقبوض عليهم وسيعترفون بأن الشيطان كان معلمهم الأكبر وبأنهم نادمون وبأنهم وبأنهم.. لقد تغير كل شيء وحمص ستتحول لمسرح رسمي سيحاول النظام فيها أن يخفي أصوات الثورة الهادرة فيها بصراخ الكومبارس المزروع على عجل.
لقد سقطت الجامعة العربية بالفخ السوري.. ولا يهم أن كان سقوطها بموافقتها المسبقة أو بسذاجتها.. فالنتيجة واحدة : هناك نظام قائم على مذابحنا من جسر الشاغور لتل الزعتر لحماة لحمص فتدمر، واللجنة التي اختبأت الدول العربية خلفها كانت ورقة التوت الأخيرة التي انتظرها النظام السوري ليخطفها لتستره بدلا من أن تسترنا.. فقد كانت هذه الطلائع المراقبة للبرتوكول بدون صلاحيات أو أجندات مدروسة للبحث ولا تملك حق اختيار الأمكنة ولا صلاحية التقصي أو حتى حق الحزن على أشلاء بشرية سقطت سهوا من حملات الديكور الرسمية.
لقد نجح النظام السوري في مهمته الكبرى في تفخيخ المشروع العربي وتفجير بشائره التي تعززت مع الربيع العربي وتمعن في جرائمه ولسانه خارج فمه باتجاهنا.. فمراقبو الجامعة العربية لم يستطيعوا سماع سبعين ألف سوري على بعد أمتار منهم هتفوا بسقوط النظام في حمص حين كانت تهمس لهم فتيات الضيافة الرسمية بنعومة (شرفتوا)..، وباسم المقاومة والممانعة وباسم العروبة ترك لنا النظام السوري حرية الحسرة على شعبه وأوصل الرسالة واضحة بأننا ليس أكثر من غثاء لا يشد به ظهر.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات