اغلاق

سيكولوجية النظام السوري


مثلت تصريحات المسئولين السوريين خلال الثورة المشتعلة في البلاد معضلة كبيرة للمحللين السياسيين والمجتمع الدولي حيث أتت جميعها بدسم لغوي وسلاسة خطابية مقابل فراغ كبير في المضمون.. فالنرجسية غلبت على كل الخطابات وأمعنت كلمات الرئيس بالغالب في التعقيد لإثبات المستحيل وإخفاء عين الشمس بالكلمات وباستخدام سلاح الجمل الهجومية نوعا من أنواع طرد أشباح الخلع عن السلطة، فالاستعراضية اللغوية واستخدام الثقة الزائدة في مقابلة بشار الأسد مع صحيفة صندي تايمز كانت واضحة حيث استندت جميع ردوده على حتمية النقاء الذاتي للنظام وقدسية موقعه الشخصي طالما هو يمثل رئيسا من آل البيت (العائلة القرداحية هنا).. حيث لم يحتمل أو يتحمل خطأ واحدا ولو من باب المجاملة.
إن هذه الثقة المبالغ فيها للرئيس السوري بدت له استحقاقا بعد تمكنه كنظام مغلق لصالح (العائلة) على خلق حالة الصمت والصبر لدى الشعب الذي عرض عليه التمجيد له كملاذا وحيدا وأخيرا في حقبة صراع البقاء التي فرضت على الشعب السوري على مر أربعة عقود حيث تكالبت عليهم تجارب التحمل وزيادة السطوة والقدسية بالتدريج، فلسنوات خلت أصبح التندر بالحالة نوعا من الرفاهية وشكلا من أشكال الديمقراطية.. فالنظام الساقط عليهم سقوطا حر كان نصيبهم من أرث دموي طويل خطط له أن يستمر بعد انتهاء العمر الافتراضي للحاكم بأمر الله(حافظ الأسد) لثلاثة عقود لتبدأ مرحلة الابن مكملة لها.
قام النظام السوري بالعمل تحت قاعدة (ايرل نايتنجل) التي تعني تقمص المركز المطلوب وتحقيقه لاحقا من خلال التفكير المركّز عليه والأيمان به، فالهدف الذي وضعه النظام لنفسه كان يختصر بجملة واحدة (سوريا الأسد.. للأبد).. حيث استطاع النظام وضع هذا المبدأ وتجذيره على كل الشعارات والحياة اليومية لسوريا حتى أصبحت قاعدة عريضة لها وقعها الداخلي ويفترض تعميم الإيمان بها ورسالة واضحة للجميع بأن موضوع (الرئاسة) منتهي حكما وشرعا ولا يجوز حتى التفكير فيه.
ولكي يشتت الأنظار عن عمليات تشكيل الكيان المقدس للعائلة مما يعني دوام استحقاق الوراثة فيه للعائلة وكذلك التخريب الداخلي المستمر والممنهج في مكونات الدولة والنسق العام للشعب والمبادئ الأخلاقية لمكوناته.. قام هذا النظام بالهرب من القاع المزدحم بالأنظمة العربية المتخمة بالواقعية السوداء في بداية عهده في أوائل السبعينيات وبنا لنفسه هرما تشبيهيا حاول طلاء جدرانه بالألوان الجاذبة للنخب المستقبلية والايدولوجيات النشطة في للوطن العربي وحركات المقاومة واستطاع بذلك صناعة جلد سميك لنظامه بحيث يتحمل الوخزات المتوقعة بسبب توغله في الديكتاتورية وذلك من خلال تسجيل مهارات مقاوميه وثورية في السيرة الذاتية المزيفة التي قام ببنائها لمثل هذه الأيام.
وما يزيد القناعة العامة في مرض هذا النظام النفسي وضرورة انهياره هو استمراره (النظام) بتقمص الدور الوطني والعروبي حتى بعد الانكشاف الفظيع لانفصام الشخصية الرسمية للنظام ما بين القول والفعل حيث دفعت الشعوب العربية ثمن هذا التناقض بأكثر من مائة وخمسون ألف شهيد عربي (48000 فلسطيني في تل الزعتر وحرب المخيمات ونهر البارد والبداوي، 22100 شهيد لبناني في عهد قوات الردع، أكثر من ثمانون ألف شهيد سوري على يد النظام خلال فترة حكمه – حماة وحلب وتدمر وضحايا الثورة السورية الحديثة )على يد هذا النظام ودون طلقة واحدة باتجاه الكيان الصهيوني والامبريالية وهم الأعداء المعلنين للنظام السوري.
ومع ذلك ورغم سقوط حاجز الخوف الداخلي وبالتالي سقوط قدسية هذا النظام.. وكذلك انهيار حاجز الخوف والشك (المحسوب لصالحه سابقا) لدى الأنظمة العربية من هذا النظام الذي استطاع بناءه (الخوف العربي الرسمي) في مرحلة ما نتيجة (زعبرته) وامتلاكه لأذرعه قومية (بدت مع الزمن مزيفة).. فما يزال تقوم الماكينة الإعلامية السورية بلبس العباءة الوطنية العربية وإشاعة تفرد النظام بالمقاومة والممانعة، وتقوم الدائرة المغلقة في النظام السوري بتمتين هذه النرجسية بربط (العائلة) لوجستيا بالمشاريع الباطنية المستهدفة للوطن العربي مثل المشروع الإيراني وأذرعتها في لبنان وعراق المالكي، مع التوافق الضمني مع العدو الصهيوني على قبول كل منهما الآخر كما هو ولمصلحتيهما المشتركة بذلك مع وجود حيزا كبيرا لحرية (البعبعة) الإعلامية الساترة لهذه العلاقة.
وما ساعده أيضا في الاستمرار والتوغل في النرجسية هو امتلاكه لبعض النخب العربية المستهلكة والساقطة أيدلوجيا بفعل التقادم والانحدار المتواصل في النتائج، التي أدت بالتالي الى امتلاكه لنصيب من خدمات المليشيات الإرهابية والخلايا النائمة المنتشرة في الوطن العربي والتي ارتبط معظمها بالدائرة الساترة لهذا النظام للانطلاق لصناعة (الزلزال) الموعود عند الشعور برعب السقوط والتي كانت مظاهره الابتدائية (الزلزال) في الاستعانة بالآلاف من الشبيحة المستوردين من جيش المهدي وحزب الله لقمع الثورة في سوريا ثم البدء بتصدير هذا (الزلزال) الى القطيف في المملكة العربية السعودية وتصعيد الخراب في البحرين وبواسطة الأب الروحي الإيراني لهذا النظام .
وبعد اقتراب العقوبات الاقتصادية من الجامعة العربية والمتوقع إقرارها غدا السبت بعد رفض هذا النظام للتوقيع على برتوكول حماية المدنيين السوريين علينا أن نتوقع من هذا النظام ومن المشاريع المستفيدة من وجوده ومن استمرار الخراب في الوطن العربي (المشروع الإيراني والصهيوني الذي قام النظام فعليا بحمايته أكثر من أربعة عقود) المزيد من الخراب والظواهر الزلزالية في الوطن العربي خاصة بعد اكتمال مظاهر سقوط النظام وانطلاق هذا المخرب متوشحا عباءة عربية مسروقة وحاملا سيفا فارسيا مسموما ولسانا لا يعرف من اللغة سوى حروف يصيغها فلا تقنع حتى ناطقها.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات