اغلاق

الاغلبية الصامتة


تساؤلات كثيرة تتردد بين النخب عن موقف تلك الاغلبية الصامتة التي ما زالت تجلس لمشاهدة مسرحية الاصلاح والتي تارة تصفق وبحماس لمشهد من هذه المسرحية وينتابها الهدوء والترقب من مشهد آخر فهل استطاع رجال الاصلاح المعتلين على خشبة المسرح من ايصال رسالتهم ؟
من العدل القول انه مهما كان حجم هذه القطاعات التي‮ ‬اندفعت إلى النشاط السياسي‮ ‬والاجتماعي‮ ‬والتطوعي‮ ‬كبيراً،‮ ‬فانه لن‮ ‬يحجب حقيقة ما بات متعارفاً‮ ‬على تسميته بالأغلبية الصامتة‮.‬ وتعبير الصامتة لا‮ ‬يعني‮ ‬بالضرورة،‮ ‬أن هذه الأغلبية أميل إلى الكسل والخمول والسلبية،‮ ‬أو أنها محايدة إزاء ما‮ ‬يجري‮ ‬في‮ ‬الاردن من تحولات،‮ ‬أو أنها مترددة في‮ ‬تحديد موقفٍ‮ ‬حول ما‮ ‬يدور،‮ ‬وحتى إن وجدت بعض الشرائح التي‮ ‬تحمل هذه السمات،‮ ‬فان ذلك لا‮ ‬ينفي،‮ ‬من جهة أخرى،‮ ‬وجود شرائح معروفة بوعيها السياسي‮ ‬وبمستواها التعليمي‮ ‬العالي،‮ ‬وشرائح أخرى تحتكم إلى حسها العفوي‮ ‬الذي‮ ‬يدلها على أن نجاح عملية التحول الديمقراطي‮ ‬في‮ ‬البلاد‮ ‬يستجيب لمصالحها الحقيقية‮.‬ ورغم هذا التشخيص الذي‮ ‬يبدو،‮ ‬بالنسبة لنا على الأقل،‮ ‬صائباً،‮ ‬ألا أن الحديث عن أغلبية صامتة‮ ‬يظل قائماً،‮ ‬وهو أمر‮ ‬يستحث القوى المختلفة المعنية بالأمر للتحري‮ ‬في‮ ‬العوامل التي‮ ‬تجعلها عاجزة عن استقطاب هذه الأغلبية أو حتى بعض شرائحها للانخراط في‮ ‬ديناميكية الحياة السياسية‮.‬ ومن بين الأسئلة التي‮ ‬قد ترد مباشرة إلى الذهن‮: ‬هل خطاب القوى الناشطة مازال عاجزاً‮ ‬عن استقطاب بعض هذه الشرائح،‮ ‬وهل لا تجد هذه الشرائح ما‮ ‬يستهويها في‮ ‬هذا الخطاب،‮ ‬سواء كان خطاب قوى الإسلام السياسي‮ ‬ أو الخطاب القومي العربي أو الخطاب العلماني‮ ‬على تلاوينه هل تجد هذه الشرائح الصامتة أن هذه الخطابات،‮ ‬على تلاوينها،‮ ‬قاصرة أو عاجزة عن تلبية تطلعاتها وتصوراتها لمستقبل البلاد ،‮ ‬وبالتالي‮ ‬فان إحدى روافع الدفع بهذه الشرائح نحو المزيد من الايجابية هو في‮ ‬خطوات تسريع الإصلاحات وتعميقها،‮ ‬بحيث انه كلما لمست نتائج ذلك على الأرض كلما تعمقت ثقتها في‮ ‬جدية ما نحن بصدده من تحولات؟ هذا أمر نظنه صحيحاً‮ ‬إلى حدٍ‮ ‬بعيد،‮لو امتلكت القوى الناشطة امكانية الاصلاح ‬لكن‮ ‬يظل الجزء المتعلق بخطاب القوى الناشطة أو بأساليب عملها أساسيا وجوهرياً،‮ ‬وإذا كان من درسٍ‮ ‬يمكن استخلاصه من حقيقة وجود هذه الأغلبية الصامتة،‮ ‬فهو دعوة القوى السياسية مجتمعة إلى إبداء المزيد من التواضع في‮ ‬حديثها عن تمثيل الناس،‮ ‬بصورةٍ‮ ‬مطلقة،‮ ‬خاصة حين نلحظ أن هذه القوى،‮ ‬على تلاوينها المختلفة،‮ ‬مازالت تخضع لمخاضٍ‮ ‬تتجلى مظاهره هنا وهناك في‮ ‬اتجاه بلورة صورة وخطاب هذه القوى في‮ ‬المستقبل،‮ ‬الذي‮ ‬قد لا‮ ‬يكون بعيداً‮.‬ وما نطرحه هنا هو أقرب إلى التفكير بصوتٍ‮ ‬عالٍ‮ ‬منه إلى الاستنتاج أو الخلاصة،‮ ‬بهدف إثارة نقاشٍ‮ ‬حول الأسئلة المتصلة بالموضوع،‮ ‬ربما اقتضت وقفات أخرى‮.‬
هناك انفصال بين ما يراه الشعب وما تريده النخب، السياسيون يفرضون مناقشاتهم على الناس، يتحدثون عن الدستور أولا قبل الانتخابات، أو الانتخابات قبل الدستور، بينما المواطنون ينتظرون من يخبرهم بأن الغد سيكون أفضل ولو بدرجة واحدة. فهل نسمع للأغلبية الصامتة بدلا من أن نتجاهلها؟.
على مر التاريخ، كانت كل الحركات الدعوية والتحررية والثورات الشعبية تبدأ بتأثير فردي، أو فكرة يكون مؤيدوها الأوائل قلة قليلة. ثم تأخذ بالتنامي تناسباً طرديا مع قوة الفكرة وأحقيتها وصدقها وإخلاص القائمين عليها ويلتف حولها مؤيدوها ويتمسكون بثوابتها، مضحين بكل ما يملكون من غالي ونفيس لأجل الوصول إلى الهدف النهائي والنصر وتحقيق ما تصبو إليه تلك الفكرة أو الثورة من نشر للفكر أو إسقاط لنظام والوصول للحكم أو الانتصار على عدو، هذا ما نراه بشكل واضح في كل الحركات الاجتماعية على اختلاف أهدافها. حتى في دعوة الرسل، نجد أن الانعطاف الكبير والتحول المفصلي يحدث عندما تنضم الأغلبية الصامتة، التي ترقب التطورات على أرض الواقع وهي تعيش صراعا نفسيا بين الإحجام والإقدام بين التأييد، أو الاستمرار بالسكوت...
من هي هذه الشريحة الصامتة؟ هل كلها خائفة؟ أم بالفعل لديها مخاوف وتردد؟ وهل هي قادرة على التعبير عن موقفها؟ من يحميها من بطش النظام ؟ من يضمن استمرارها في عملها ؟ هل هي واثقة من قوى الاصلاح ؟ كل ذلك يتوجب علينا الوقوف عند الاسباب الحقيقية والواقعية لمواقف هذه الشريحة . فبدون ان تكون قوى الاصلاح قادرة على حماية المواطن سيبقى المراهنة على تلك الشريحة خاسرا ولن تتحقق طموحاتنا.
هذا صحيح وواقع ملحوظ لكل من يريد أن يبصر الحقيقة بعيون محايدة ومتجردة للحق، مهما كان هذا الواقع مراً ومؤلماً، ولكن هذا الخوف هو في الحقيقة سلاح ذو حدين، فهو من جهة عقبة كبيرة ومطب خطير يُعيق أي محاولة للتحرر، ويكبل أنصار الاصلاح ويزيد من تضحيات الشعب، ويتسبب في نزف الدماء الزكية إن لزم الامر في قافلة الحرية ويؤخر لحظة النصر من جهة ولكنه من جهة ثانية يمكن أن يكون هذا الرعب الدافع الأساس والمحرك الرئيس القوي لدفع روح الثورة والانطلاقة القوية، لأن هذه الشريحة التي اكتوت بجور الظلم وذاقت نار الحرمان وألم التهميش والمهانة، من المفروض أن تكون رغم خوفها مهيأة ومستعدة لأي فرصة وأي متنفس للمطالبة بتغيير وضعها المأساوي وواقعها المظلم وتروي غليلها من الحرمان والإذلال كل هذه المؤشرات تدل على أن الخوف المزروع في النفوس ليس هو السبب الوحيد لإحجام شرائح متعددة من الشعب الاردني، على تنوعها واختلاف مشاربها ومعتقداتها، فمن الخطأ اختزال الأمر ورده لعامل الخوف وحده، ولا يجب أن يكون شماعة المعارضة للتهرب من تقصيرها السلبي..
بجانب هذا الخوف، هناك عوامل وعوائق لابد من مكاشفة النفس ومصارحتها بها والتعامل معها كواقع مفروض ومنطقي للوصول إلى الهدف والنتيجة بخطى سليمة وواثقة، وأهم هذه العوامل:
*الخوف من القادم، وخاصة بين من يحملون الجنسية الاردنية، والتي تخشى من سيطرة قوى تتنكر بالمستقبل لمبادئ الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، لذا ترجح البقاء تحت سيطرة حكم، وإن لم يكن ديمقراطيا، ولكنه على الأقل لا يخصها وحدها بالظلم والتمييز.
المعارضة المفككة، والتي لم تستطع ان تنظم نفسها في اطار موحد، استغلها النظام لتشويه سمعتها وتنفير الناس منها..*
*الشريحة التي استطاع النظام ثنيها وإغراءها بالمال والمناصب ، أو الوعود بمنحها المزيد من الحقوق والمزايا والعطايا الخاصة لبعض المناطق والجماعات.
* قوى الفساد المستفيدة من الوضع الحالي والتي تدافع عن وجودها لانها مستهدفة من قوى الاصلاح وتمتلك الامكانيات المادية التي تمكنها من جمع عدد ليس بالقليل حولها من ذوي الحاجة..
*وأخيراً، يجب أن لا يغيب عن البال الشريحة التي آمنت بالنظام، مقتنعة بصدقه ورغبته، بل وقدرته على الاصلاح، وهذه تشكل رديف دعم لتلك الفئة التي رهنت مصالحها بل ووجودها ببقاء هذا النظام، وتدافع عنه بشكل مستميت، من الدائرة الضيقة التي يعتمد عليها الحكم من قوى الأمن ، ومن ثم إعدادهم لهذا اليوم العصيب من بلطجية وقوى داعمة أخرى..
من هنا ندرك أنه ليس كل من سكت وصمت خائف أوانه يجهل الواقع أو انه مقتنع ان يقوم النظام بالاصلاح بل هو مترقب ، وأن على شباب الاصلاح ومسانديه والمعارضة بكل أطيافها أن تدرك هذه الحقائق، وعليها أن تختار الأفضل والأقدر على تمثيلها، وأن تكون شفافة وواضحة في أطروحاتها وتصرفاتها، وتزرع الثقة والأمل في نفوس هذه الشريحة..
كما ان ضعف الثقة في الأشخاص الذين يمتهنون العمل السياسي بشكل عام وفي سياساتهم وبرامجهم التي تطغى عليها صيغ الخطابة ويمتلئ جسدها بالوعود التي يتنصلون من فشلهم في تحقيقها بأساليب التبرير المملة دون اعتراف بأي تقصير أو تفسيريحترم العقول
هذه الشريحة الصامتة هي هدف الفكرة أو الاصلاح، وهي ما يراهن عليها ـ أيضا ـ النظام، وتؤول سكوتها على أنه تأييد لها، والمعارضة هي بدورها تنسب هذا السكوت بالتعاطف الضمني لها، وتعتبر هذه الأغلبية الصامتة قوة الدعم الخامدة، كالبركان، متى انفجرت، حُسم الأمر..
فهل نملك القدرة على تفجير هذه الشريحة



تعليقات القراء

محسن سندباد
مقاله رائعه وتجسد الواقع تجسيدا واقعيا لان الاغلبيه فيما يطلق عليه عالمنا العربي هي الاغلبيه الصامته السلبيه والتي يطلق عليها في مصر اغلبيه الكنبه او اغلبيه الدكه واصبحت الاقليه اغلبيه لانها اكثر صراخا واعلى صوتا واكثر تمويلا وتنظيما ومتاجره واستغلالا للدين في مجتمعات تصل فيها نسبه الاميه الي اربعون في المائه بالاضافه الى من يطلق عليه المثقفين الجهله
12-11-2011 11:05 AM
فلاح أديهم المسلم بني صخر
................
رد من المحرر:
نعتذر.....
12-11-2011 11:42 AM
محمود وحشة
اشكرك اخي فلاح أديهم المسلم بني صخر على هذا التعليق الرائع
لك مني كل الاحترام والتقدير
12-11-2011 12:19 PM

أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات