اغلاق

الارهاب والديمقراطية وجهان للعملة الاستعمارية


يمكن القول أن تفجيرات نيويورك(9 أيلول 2001) وما سبقها ولحقها في العراق وأفغانستان قد كشفت وأماطت اللثام عن الوجه الأخر الجديد للعملة الأستعمارية أو النزعة الاستعمارية الجديدة. فكما هو معلوم فان الوجه الاستعماري التقليدي القائم على الاستعمار بمفهومه التقليدي قد اخذ بالتراجع كثيرا في ضوء تنامي قيم الديمقراطية وحقوق الانسان وحق العيش بسلام لكل شعوب الارض. لا يمكن لاي دولة الان ومهما كانت قوتها ان تستعمر دولة اخرى لاسباب اقتصادية معلنة, كما لا يمكن لاي دولة ان تقيض نظام واركان دولة اخرى لاسباب سيا سية معلنة ايضا او اسباب دينية او نحوهما. ان العالم قد تغير في نظرته لمثل هذا النوع من الاستعمار, كما ان الناس وفي معظم ثقافات العالم قد تغيرت اتجاهاتهم ايضا لمثل هذا الشكل من اشكال الاستعمار العلني المكشوف.
ان الاستعمار لم يتوقف وان الاستعمار لم يغب عن العالم ولكن صورته واليته هي التي اخذت في التغير حتى لا تلقى معارضة من شعوب واحرار العالم من جهة وحتى تجد مناصرة ووقودا لها من بعض المتامرين والمناصرين من جهة اخرى. الولايات المتحدة الامريكية مثلا واثناء الحرب الباردة مع الاتحاد السوفياتي كانت تدعم كل الاتجاهات والجماعات الدينية في منطقة الشرق الاوسط اثناء التواجد السوفياتي في افغانستان, او - وحتى لا يغضب احد- لم نكن الولايات المتحدة لتقول او تسمي هذه الجماعات بالجماعات الارهابية او لتحاول ان تضع لها حدا. اذن الوقت او الهدف لم يكن مناسبا لتصب الولايات المتحدة عليها جام غضبها لا بل ان سياسيوها اومنظروها كانو يتبجحون ويروجون لفكرهم وسلوكهم الديمقراطي المتقدم الذي يسمح ويشجع على التعددية الفكرية والدينية.
انتهى الوجود الروسي في افغانستان وبدات مرحلة جديدة تتطلب اليات جديدة وتتطلب فكرا جديدا ينسجم مع المخطط الاستعماري الامريكي الجديد. التسامح الديني مصطلحا لم يعد مطلوبا او متناسبا والمرحلة الجديدة, لا بل اصبح لا بد من القضاء على النزعة الدينية والشعور الديني الذي كانو يغذونه ويناصروه قبل فترة قصيرة من الزمن.
ان الحل الذي خرجت او جاءت به القوة الاستعمارية لم يكن ليكون ذلك الوجه الاستعماري التقليدي القديم الذي كان المجاهدون يحاربونه ويناضلون من اجل دحره وطرده ومعهم الشارع الافغاني باسره.
لقد جاء الاستعمار بثوبه الجديد( الارهاب والديمقراطية) فمن جهة تغير اسم الجهات المناضلة المناوئة للاستعمار واصبح اسمها الجديد الجماعات الارهابية, كما تغيرت الالية او السبب الذي ياتي من اجله المستعمر فتحول من طامع بخيرات البلاد الى محرر لها, تحول من مستعمر حاقد غير مرحب به الى بطل تدق له الطبول ويستقبل استفبال الفاتحين المحررين. الولايات المتحدة الامريكية راعية ومصدرة الديمقراطية الى العالم كما تزعم لم تحرك ساكنا كما قلنا سابقا لتضع حدا لهذه المنظمات التحررية في ذلك الحين ولكنها وحين ارادت ان تستعمر وتسيطر على افغانستان انقلبت على هذه الجماعات وحولتها الى منظمات وجماعات ارهابية. ان التجربة الامريكية في العراق وكما يعلم الجميع مشابهة للتجربة الامريكية في افغانستان ايضا, فبعد كل الدعم الذي كان يلقاه العراق من الغرب عموما ومن الولايات المتحده خصوصا ابان الحرب مع ايران, تم تدميره واستعماره بنفس الاسلوب, الارهاب الذي يمثله كما زعموا نظام الرئيس الشهيد صدام حسين, ورغبتهم وحرصهم كما زعموا ايضا بجلب الديمقراطية وحقوق الانسان هي الذرائع التي تذرعوا بها لغزوه, مع ان النتيجة وبشهادة كل المنصفين دمار شامل للدولة العراقية واستعمار قد يمتد لعقود.
الشاهد الاخير لهذا المقال ما جرى ويجري في غزة, فكما يعلم الجميع حماس قد وصلت الى السلطة باصوات الناخبين الفلسطسنين اي انها حكومة منتخبة ,حكومة ديمقراطية- لان الانتخاب شرط من شروط الديمقراطية- ومع هذا فقد تحولت الى حكومة ارهابية وتم عزلها لانها لم تنسجم مع الاجندة الامريكية الاسرائيلية. ان الديمقراطية وفقا لابسط معانيها وصورها لا يمكن ان تفرض بالقوة او العصا, كما انه لا يوجد اي انموذج ديمقراطي يصلح لكل الشعوب والمجتمعات, فكل مجتمع يتبنى الانموذج الديمقراطي الذي يناسبه ويناسب ثقافته. ان الارهاب ايضا وفقا لابسط معانيه وصوره يحث وموجود في كل بقاع الدنيا. في بريطانيا مثلا الجيش الايرلندي يقوم بعمليات تفجيرية وعمليات قتل- ارهابية- ولكن احدا لا يسميه ارهاب لا بل ان الرئيس الامريكي بيل كلنتون توسط وفي اكثر من مرة لاحلال السلام في ايرلندا دون ان يشن حربا هناك ودون ان يحاصر ايرلندا. منظمة ايتا في اسبانيا ايضا قامت ولاكثر من مرة بتفجيرات وعمليات اطلاق نار ذهب ضحيتها الكثير من الابرياء والمدنيين ولكن احدا لم يشن عليها حربا, مع ملاحظة ان مثل هذه الاعمال الارهابية في اوروبا تظهر مخالفة بصورة اوضح وابين للحياة الديمقراطية اليومية التي يعيشها الشارع الاوروبي , وبعكس ما قد يصدر من حماس او غيرها من الاحزاب في مناطقنا من سلوكات لا تظهر مغايرة بشكل صارخ للشارع العربي. هذه بعض الامثلة التي تظهر لنا كيف ان الدول الاستعمارية تبدل من ثوبها الاستعماري كيفما تشاء ,وفقما تشاء ووقتما تشاء لتحقق اهدافها الاستعمارية, لذلك فان الارهاب والديمقراطية عندها يبدوان وجهان لعملة استعمارية واحدة. اذن يجب ان لا تمر علينا مثل هذه المغالطات, وان لا ننخدع بمثل هذه الافلام والاقلام ,وان لا تنطلي علينا هذه المسميات لانها في النهاية اوجه متعددة لعملة واحدة.


abdallahazzam@yahoo.com



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات