اغلاق

كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته


قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كلكم راع ومسؤول عن رعيته ، فالإمام راع ومسؤول عن رعيته ، والرجل في أهله راع وهو مسؤول عن رعيته ، والمرأة في بيت زوجها راعية وهي مسؤولة عن رعيتها ، والخادم في مال سيده راع وهو مسؤول عن رعيته . قال فسمعت هؤلاء من النبي صلى الله عليه وسلم ، وأحسب النبي صلى الله عليه وسلم قال : والرجل في مال أبيه راع ومسؤول عن رعيته ، فكلكم راع ، وكلكم مسؤول عن رعيته). ‏قال العلماء : الراعي هو الحافظ المؤتمن الملتزم صلاح ما قام عليه , وما هو تحت نظره, ففيه أن كل من كان تحت نظره شيء فهو مطالب بالعدل فيه, والقيام بمصالحه في دينه ودنياه ومتعلقاته الجميع مسئول ولكن كل حسب ما هو مكلف به حتي التلميذ فهو مكلف وعليه ان يقوم باداء واجبه بكل امانه. فانتبهوا أيها الآباء لأبنائكم وبناتكم وأحسنوا تربيتهم, وأحسنوا أيها الآباء معاملة زوجاتكم (أم أبنائكم), ولا تجعلوا أبنائكم وبناتكم يشعروا بأنهم غير مرغوب بهم في بيت والدهم, وإياكم أن تطردوا أبنائكم أو بناتكم خارج البيت مهما كان ذنبهم, لأنكم بطردكم لهم ومبيتهم خارج البيت تكونون قد خسرتموهم إلى الأبد, وابتعدوا أيها الآباء عن ضرب أبنائكم وبناتكم قدر الإمكان وخاصة الضرب المبرح. وأسوق لكم في مقالتي هذه القصة الواقعية لشاب تعرض لظلم شديد من والده.. واخترنا لهذا الشاب اسم وهمي هو رامي, آملين من الله أن يكون رامي عبرة للآباء الذين لا يهتمون بأبنائهم ويقسون عليهم.

رامي محور قصتنا هو الابن الأكبر لأب ديكتاتوري عصبي متخلف ورجعي وغير متعلم, هذا الأب يرى كل نساء العالم عاهرات, حتى انه وصل به الأمر إلى أن قذف بشرف بعض قريباته علناً بأنهن زانيات, وحتى زوجته الشريفة العفيفة أم أولاده وبناته لم يكن يثق بها, زوجته التي كان يضربها باستمرار بسبب أو بدون سبب ضرباً مبرحاً, ويعاملها معاملة الكلاب, من شتم وضرب وتحقير وتهميش, ويمنعها من الاختلاط بالناس أو زيارتها لإخوانها وأقاربها إلا ما ندر, يضرب أولادها وبناتها أمامها لأسباب تافهة وأحياناً غير مقنعة, ويدميهم من شدة الضرب, ويعذبهم عذاباً شديداً, وكأنهم أسرى حرب عنده وليسوا بأبنائه, وقد قام هذا الأب عدة مرات بتهديد أفراد أسرته بالقتل.

على عكس والد رامي فإن أم رامي إنسانة طيبة جداً متعلمة بسيطة ولكنها مسكينة جداً أيضاً, في بداية زواجها كانت تتحمل العذاب والمرارة والإهانة من زوجها - الذي تزوجته رغماً عنها بدون حب – لعلّه يتغير, وكذلك لأن مجتمعنا لا يرحم المرأة المطلقة, وحاولت كثيرا تغيير زوجها ولكن دون جدوى.. ومع مرور الأيام وبعد أن رُزقت منه بالأبناء أصبحت تتحمل وتصبر على الضرب والذل والإهانة من أجل أبنائها..

كره رامي والده كرهاً شديداً نتيجة معاملته القاسية له ولأمه. فهذا الأب لم يعطيه ما يعطي الآباء أبنائهم في حقل التنشئة والتربية, إذ أن غطرسته وشروره وتخلفه وجبروته وظلمه جعل من البيت جحيم, تاركاً طفله الجميل المقبل على الدنيا ألعوبة في مهب رياح العاصفة. كم تمنى رامي الموت لنفسه والخلاص من هذه الحياة, نعم لقد تمنى الموت مراراً, فأي مشاعر وأحاسيس وأي انطباعات يا ترى ستترك هذه الحياة المأساوية في مخيلة طرية يواكبها إحساس طفل مرهف؟! ومع مرور الأيام واشتداد عود رامي ولظروفه الأسرية ولكثرة رفاق السوء والشباب الطائش في مجتمعه فقد انضم إلى شلة من رفاق السوء, وكان أحد أفراد هذه الشلة من عبدة الشيطان, وهو ما أثر كثيراً في رامي وباقي أفراد شلته, لم يكن اتصال رامي الدائم بهذه الشلة من رفاق السوء الشرسين سوى منزلق جرَّ إلى التمادي في الابتعاد عن الله والتطاول على الدين والابتعاد عن العادات والتقاليد والتطاول على قيم المجتمع, ومن لهو إلى لهو جديد وشقاء أكثر حدّة تتلمذ هذا الشقي ونثر وشلته سمومهم في مجتمعهم من إفساد وسرقات وتعاطي المخدرات واحتساء الخمور وممارسة الرذيلة والدعارة.. الخ.

ومما \"زاد الطين بلة\" وأثر بشكل كبير تأثيرا سلبياً في حياة رامي هو تعرّفه وهو صغير السن على بنت حارته الجميلة المتمردة هي الأخرى على تقاليد المجتمع وعاداته, والبعيدة كل البعد عن الإسلام وتعاليمه, فيعشقها ويعيش معها كما يعيش الرجل وزوجته, وغاصوا في لذة الجنس. وعرف كذلك رامي العديد من الفتيات الساقطات في حارته وخارجها, وكان لهؤلاء الفتيات وقع شديد ترك أثراً كبيراً في نفسيته, فقد كان يفرغ ما يجده من آلام في النساء والخمرة, يُخدر بها كرامته وعنفوانه الجريح وإباءه المهشم ويداوي بها جراحه.

كان رامي يستعيض عن الصحو المرير بالسكر المتواصل, وشجعه على ذلك شلته وما في مجتمعه من إغراء وأهواء ومفاسد, عملت على تحطيم ما تبقى من إنسانيته, من شعور بالمثل العليا والقيم الصحيحة. ان المجتمع المحيط به وخاصة والده وشلته خلقت إنساناً ذو دين اعوج, وإحساس مريض, وميول جارفة, وقلب ميت, لأن والده والمجتمع المحيط به الذي عاش فيه أراده هكذا. لقد كان في قرارات نفسه ثمالات من الوعي والإيمان والمبادئ العليا التي تعلمها من والدته, ولكن لا تسمع أنغامها من جراء ضجيج الشهوات, وصخب الأهواء وحياة المجون والسهر. فليس قلبه الميت إلا لأنه أراد ذلك لنفسه, فالحياة علمته ان لا مكان للمشاعر والأحاسيس النابعة من القلب, وتولد في نفسه حب انتقام شديد من هذه الحياة التي أصابته بكل مكروه ولم ترحمه, ولكنه لم يجد سوى ذاته الضعيفة يثأر منها, لقد انتقم رامي من تلك النفس لأنه لم يستطع الانتقام من الحياة التي ظلمته. ان والده هو السبب الرئيسي الأول لضياعه ولجوؤه إلى الأساليب الشريرة والى حياة المجون. فهو يرى البيت جهنم, ولا يطيق الجلوس فيه لوجود أباه فيه. لقد تمنى رامي الموت لأباه وفكر مراراً في قتله والتخلص منه. لقد كان يرى أباه في كوابيسه, يراه يضرب أمه ويطردهم جميعاً من البيت, وقد فعلها مراراً في الواقع.

وصل رامي إلى نتيجة في قرارة نفسه ان الخمرة هي أفضل شيء عنده, فهي حبيبة لا تخون ولا تصد, وروح لا تخالف روحه, مسكين رامي لقد ظن ان مزج الهم بالمجون والخمرة سوف يذيب همومه وينسيه والده والآلام التي سببها له, غير منتبه إلى أن الكأس تفرغ من الخمرة وتبقى الهموم في قراراتها جاثمة لا تزول. ومع كل ذلك البؤس وتلك المعاناة فقد أطل رامي على الدنيا بوجه ضاحك, وروح مرحة, محاولاً حجب بؤسه بزهو الحياة.

لقد كان من السهل بالنسبة لرامي الحصول على الكثير من النقود بطرق غير مشروعة, ولكنه سرعان ما كان يصرف ما يحصل عليه, فالنقود بالنسبة لرامي أفعى في جيبه يحاول التخلص منها بسرعة, فهو إنسان مسرف يبعثر نقوده هنا وهناك. شعاره اصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب, فهو لا يدخر من نقوده شيء, غير آبه لما يخبئه له المستقبل من مفاجآت.

رامي يعتقد أن الله سوف يدخله الجنة بالرغم من المعاصي والآثام التي يقوم بها كل يوم والتي قد تصل إلى درجة الكفر, وهو مؤمن انه غير مسؤول عن تلك التصرفات التي فرضها عليه الدهر بخشونة وقساوة فأجاب دواعيها, وقد كان أحياناً يمر بمراحل صحوة مريرة, وبقدر العصيان تكون أحياناً التوبة.

فجأة يحصل ما يغير حياة رامي رأساً على عقب, في لحظات انتقل فيها رامي من عالم إلى آخر, صدمة هزت كيانه وأيقظته مما كان غارقاً فيه من مجون, ضربة قوية جداً شاء القدر أن تكون إنقاذاً له ولعائلته, لقد ساعدته هذه المرة قوة أخرى غير القوى التي اعتمد عليها طيلة حياته, قوة أكبر وأقوى من أي شيء في حياته, لقد تدخل هذه المرة الرب سبحانه وتعالى وأمر ملاك الموت بأن ينتزع روح والده, نعم لقد مات والد رامي وانتهى كل شيء, انتهى العذاب, وانتهت أيام الحرمان والسكر والمجون, فجأة يجد رامي نفسه مسؤولاً عن باقي أفراد العائلة لأنه الأكبر. يعاهد رامي نفسه بأن لا يعود إلى حياته السابقة ثانية ويصبح إنسانا آخر, فأصبحت علاقته بالله قوية, وقام على رعاية عائلته, وأصبح شخص متدين ناجح, يحترم الناس ويحترموه, ومحبوب من قبل عائلته والناس جميعاً. نسي رامي ماضيه وبدأ يفكر في المستقبل, وابتعد عن رفاق السوء والنوادي الليلية والخمرة والفتيات, وعاش مع عائلته بسعادة, سعادة أبدية.



تعليقات القراء

حنين عبيدات
مقال رائع استاذ هيثم.. ولكن لا تنتهي هكذا قصص نهايات سعيدة غالباً فشخصية مثل .. تكون غالباً نهايته السجن او عالة على المجتمع
14-09-2011 08:36 AM

أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات