اغلاق

إيران والصراع اللاتناظري


برز في مجموع النخب العربية الكثير من الآراء والتوصيات الخاصة بماهية وكيفية ووجوب العلاقة العربية ساسة وجمهور مع إيران، وتناثرت هذه الآراء في كامل الفضاء المحتمل من أقصى اليمين الى أقصى اليسار..فلا يوجد شيء ثابت في تصورات مفكري الوطن العربي ونخبها باتجاه الدور الإيراني بل يبدو الموضوع جدليا لا نهاية له ولا منتصر فيه، مما يجعلنا نفكر بالطريقة التي أدارت فيها إيران العلاقة معنا بالاتجاه المعاكس والتي أعطت الصور المتقلبة عنها والمتغيرة دوما.
كلنا نعلم أن القرارات الإيرانية والإستراتيجية السياسية الداخلية والخارجية تنبع من أيدلوجية عقائدية صلبة غير مرنة ويقوم بإخراجها للاستهلاك المحلي والعالمي ساسة ليس لهم دور سوى تجميل القرارات وقوننتها بعد قولبتها، ففي العملية السياسية الإيرانية عند أي مسألة قومية أو دولية..هناك القرارات المركزية التي تصنع في المطبخ العقائدي (مجلس تشخيص النظام كممثلا عن الإمام الفقيه).. ونتيجة واحدة مطلوبة لأي قرار بما يعني التنفيذ التام.. والتراجع عنه أو الفشل فيه يعتبر كفرا بالمطلق، وفي الجهة المقابلة تركت للسياسيين الإيرانيين حرية مطلقة باختيار أساليب التنفيذ مع ضرورة الإبقاء على حتمية النتيجة المطلوبة.
وعند مراجعة القرار الكبير الذي تم اتخاذه في بداية (الثورة الإسلامية) في إيران وهو ضرورة الإقرار بالعمل (بولاية الفقيه) وتصدير (الثورة) نجد أن القرار لم يكن ليستأثر على الحلبة السياسية الإيرانية والكيانات الدائرة حولها لولا وجود قرار سياسي وخطط مساندة ومفعلة لها ومتلازمة معها ومنها نظرية (أم القرى) التي وضعها محمد جواد لاريجاني والتي تم صياغتها لتكون مقبولة دوليا ولتجميلها عالميا بما يؤدي الى قوننة استخدام (ولاية الفقيه) كقاعدة ثابتة لشكل الحكم والمحكوم.
تقوم نظرية أم القرى بعملية تتويج لـ \'\'ولاية الفقيه\'\' وإشاعة لقب ولي أمر المسلمين ليأخذ دورا مشابها للرعوية الكنسية وخليفة أو سلطانا مشابها للخلافة العثمانية، وتشير هذه المحاولات لأهداف أيديولوجية تسعى لتخصيص وحصر القرار العقائدي والسياسي في طهران وقم فقط.. لتقوم بتوزيعه إلى بقية الرعايا في العالم الشيعي والإسلامي معا، حيث يقول مؤسسها ومطورها محمد لاريجاني : (أن هذه النظرية ظهرت أساسا للتوفيق بين الآفاق والأهداف طويلة الأمد والظروف الحالية التي تمر بها البلاد)وكذلك قال (قامت نظرية أم القرى على ضوء إعطاء الزخم الكافي للخطط الآنية وربطها بالتطلعات المستقبلية).
فجميع المعطيات والتحركات السياسية والإيحاءات للقيادة الإيرانية تفيد بوجود خطة لتطوير وتقوية المكانة السياسية لطهران باعتبارها العاصمة السياسية للتشيع في العالم حيث تقوم بالتدريج بعمليات تراكم لـ (القدسية) على شخوص وعلى أمكنة ومزارات لتصل بالنتيجة الى درجة منافسة مكة المكرمة..!! بما يعني إزالة التلازم العلمي والعملي والسياسي والاجتماعي من الإسلام الحقيقي الذي يدين فيه مليار مسلم على سنة الرسول عليه الصلاة والسلام، وتفريغه من القدرة على مجاراة ومجابهة المصائب والمؤامرات الخارجية لضعف ايدولوجي كما تحاول أن تشيع إيران من خلال معمميها ومنابرها ولقاءاتها السرية أو لإضعاف لوجستي للدول العربية بواسطة تشتيت الضربات وليس تناظرها ومن حيث لا تتوقعها الدول العربية، وما (القاعدة) وأذرعه إيران العقائدية المنتشرة في الوطن العربي مثل حزب الله ومجموعة الصبي مقتدى الصدر إلا نماذج تم تصنيعها لأجل نفي تناظر الصراع عند طرحه وليتم من حيث لا يمكن مواجهته أو معرفته .. مما يؤدي الى إنتاج حالة إضعاف سياسي وإنهاك شعبي يتم الإيحاء من خلاله بحتمية خنوع القيادات العربية المعاصرة للمعسكر الأمريكي درءا وسببا لذلك (كما يحاول أن يهمز ساسة طهران).. وليتم بالتالي طرح وتعزيز المشروع الإيراني بديلا أخلاقيا عن مراكز القوى الإسلامية والعربية..!.
بالنتيجة كان على إيران العمل بكل الوسائل لضمان الاعتراف الدولي بالقدرة المطلقة على تمثيل الند والضد أمام الأطراف الدولية الأخرى كممثلا وحيدا عن الأمة الإسلامية (بعد ضربها لكل الثوابت الإسلامية الحقيقية لدى العرب من تحت الحزام بالطبع) مما أعطى العمل على نظرية أم القرى أولوية قصوى لتشكيل حالة اختراقية للمجال السياسي السائد من خلال الظهور المتكرر للشخصيات (المقدسة) الإيرانية على كل المنابر الداخلية والخارجية.
أذا نحن أمام هجوم طوباوي غير محدد المعالم على كياننا الإسلامي والعربي لا يعتمد على إيجاد تحشيد هجومي مباشر معاكس لخطط الدفاع ومسببات الخوف العربي ، أو إعلان توازن مضاد للعتاد الحربي أو للجيوش العربية (وأن كانت إيران تصور تطوير قدراتها العسكرية وتفوقها بشكل يومي) حيث لا تقابل تصريحات الساسة العرب والنخب المفكرة المتشائمة من الدور الإيراني بتصريحات متشائمة من الأنظمة العربية بالمقابل، ولا يحشد الجيش الإيراني أو الحرس الثوري مقابل شواطئنا في الخليج العربي بل يتم إرساله للبحر الأحمر في حركات استعراضية..
ورغم ذلك فالخطر قائم وأكثر من أي وقت سابق..! فإيران تعمل الآن بجميع الوسائل على تهيئة الوطن العربي والإسلامي كأرضية لمشروع تمددها وولايتها بما يعني ذلك من تخريب كامل للمشروع العربي والإسلامي التنويري الذي بدأ.. ومن خلال وسائل ليست شائعة بالمعنى السياسي والعسكري.
وغدا ستنكشف التفاصيل التي سيعرف العالم بأجمله من خلالها عن علاقات إيران السرية بأحداث قد غيرت وجه الصراع وشتت مجال التنافس من خلال هذه الأدوار السفلية.. وما أحداث 11 سبتمبر إلا إحدى القضايا الغامضة والتي تسربت معلومات أخيرة بالدور الإيراني الرئيسي فيها حيث ساهمت هذه الصدمة (11 سبتمبر) في الضغط على الأمة العربية والإسلامية وأسقطت العراق وأفغانستان في الفخ الأمريكي الإيراني المشترك، حيث تسرب للإعلام مؤخرا أن المنّظر الرئيسي في (القاعدة) يأخذ أوامره من طهران.. وكذلك لا يستبعد بل يرجح أن الضربة التي قتل فيها الطفل البحريني علي جواد الخميس في المنامة هي من أيدي إيرانية لها مصلحة في إنتاج النعوش المستفزة للشعوب والقنوات الفضائية.
فالحذر كل الحذر من هذا الجار عندما يقول أن امن المملكة العربية السعودية من امن إيران فهذا قد يعني أن الوطن العربي كله في خطر داهم .



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات