اغلاق

سلام أم استسلام


قال أحد الحكماء السياسيين: إذا أردت السلام, فلتكن لديك الرغبة في السلام, والقوة للدفاع عن ذلك السلام. وبذلك تتضح صورة القوة وصورة التخاذل والاستسلام.. وما بينهما برزخ يفرز الأقوياء من الضعفاء.. فمن أي فريق نحن؟

لقد احتل العدو الصهيوني عام 1948م الجزء الأكبر من أراضي فلسطين، ثم قام بالاستيلاء على الجزء المتبقي في حرب حزيران 1967م، وقام هذا الكيان الغاصب بعدها بعمليات مصادرة للأراضي في القدس والضفة الغربية وغزه وإعطائها لليهود وقام أيضاً ببناء المستوطنات التي انتشرت على الأرض الفلسطينية وبعضها تحول إلى مدن. هذا عدا عن القتل والتعذيب والتشريد والتهجير والاعتداء على حرمات الشعب الفلسطيني على يد المرتزقة من أفراد الجيش الصهيوني خلال ما يزيد عن نصف قرن من احتلال فلسطين.

ومن ثم يخرج علينا بعض دعاة المهادنة والاستسلام (السلام) يدعون إن الصراع بيننا وبين العدو الصهيوني ليس إلا نفسي، وإنه لا بد من اجتياز هذا الحاجز النفسي والفكري بيننا وبين العدو الصهيوني، وبرأيهم ان هذا لن يتأتى إلا بإدخال الطمأنينة إلى قلوب أعدائنا الصهاينة وإشعارهم بالأمن، وإننا إذا فعلنا ذلك سيسود شكل من أشكال الاعتدال بينهم بدلاً من التطرف الذي اكتسحهم. وعند حدوث ذلك سيجلس ممثلو العدو الصهيوني إلى مائدة المفاوضات ويتباحثون مع الفلسطينيين بشكل عقلاني، حتى يصل الجميع إلى صيغة معقولة ترضي كل الأطراف المتنازعة. ولكن ما يتجاهله هؤلاء أن الصراع العربي الصهيوني لم ينشأ بسبب حالة نفسية أو حالة عقلية وإنما لأن كتلة بشرية غريبة وافدة (العدو الصهيوني) جاءت إلى الأرض الفلسطينية فاستولت عليها وطردت شعبها، ولا يمكن إصلاح الوضع إلا بإرجاع الأرض إلى أصحابها وعودة الشعب الذي طُرد وليس بالاستسلام الذي سموه سلاماً.

عندما يرى العدو الصهيوني ان حالة اتجاه موازين القوى هي لصالحه وضد صالح السكان الأصليين (الفلسطينيين)، فإن هذه الموازين ستدعم دولة الكيان الصهيوني العنصري المتحيِّز. واليهود سيرون ان حكوماتهم قد حققت لهم الأمن الذي يريدونه والمستوى المعيشي المرتفع الذي يتطلعون إليه. وسيساهم ذلك في تحويل الواقع التاريخي إلى شيء هامشي باهت، ويتدعم البرنامج السياسي الاستيطاني بوصفه مرشداً للتعامل مع الواقع، ويتهمَّش السكان الأصليون (الفلسطينيون) إلى أن يغيبوا تماماً من شاشة الوجدان الصهيوني ومن خريطة دولة الكيان الصهيوني.

أما في حالة اتجهت موازين القوى لصالح السكان الأصليين (الفلسطينيين) وضد صالح الصهاينة، يتولد قدر من الواقعية لدى الصهاينة، ويكتشف اليهود الذين يعيشون في دولة الكيان الصهيوني أن حكوماتهم لم تحقق لهم الأمن الذي يريدونه ولا الرفاهية التي يبغونها، ومن ثم تظهر على شاشة وجدانهم صورة السكان الأصليين، وتتعدل خريطتهم الإدراكية تدريجياً. وتتناسب درجة التحول تناسباً طردياً مع حجم المقاومة ودرجة تزايدها. وتساهم عملية إعادة صياغة الإدراك في تبديد الأوهام والأساطير الإيديولوجية. أي إن ميل موازين القوى لصالح الفلسطينيين يؤدي إلى ترشيد العقل الصهيوني.

إذن نستنتج انه إذا بقي السكان الأصليون (الفلسطينيون) ساكنين أصبح من الممكن قبولهم ككمِّ متخلف هامشي غائب، ويصبح من الممكن إظهار التسامح تجاههم، بل ومنحهم بعض الحقوق مثل (الحكم الذاتي). أما إذا تحرك السكان الأصليون (الفلسطينيون) لتأكيد حقوقهم ورفضوا الهامشية المفروضة عليهم وتحدوا الرؤية الصهيونية وبدأوا في تغيير موازين القوة لصالحهم، فإنهم يصبحون مصدر خطر حقيقي ومن ثم يتعين التعامل معهم امنياً وسحقهم ويصبح التسامح معهم أمراً غير مطروح، وبالتالي يتزايد التطرف والبطش الصهيوني. وهذا التطرف والشراسة ليسا سوى المرحلة قبل الأخيرة التي تسبق تحطم الأسطورة (إسرائيل) والرضوخ للأمر الواقع.

ولما كنا نعيش في عالم يستند إلى القوة والبطش، أو على حد تعبير أحد الزعماء الصهاينة (إن ما لا يتحقق بالقوة يتحقق بمزيد من القوة)، فإن إيصال القيم غير المحسوسة مثل الحق والعدل للعدو يتطلب الضغط من خلال العديد من الرسائل المسلحة حتى يعرف أن العربي الحقيقي ليس مجرد صورة باهتة في وجدانه يمكنه تغييبها، وإنما هو قوة واقعية يمكن أن تسبب له خسارة فادحة إن هو تجاهلها أو حاول تهميشها وتهشيمها واكبر مثال على ذلك حركة حماس في فلسطين وحزب الله في لبنان.

إن هذا هو القصور الأساسي في محاولات التوصل للسلام حسب الشروط الصهيونية. نتج عن ظن مهندسو هذه الاتفاقيات أنهم عن طريق رفع رايات السلام والاعتدال والحديث الهادئ على مائدة المفاوضات سيُغيِّرون صورة العربي في وعي العالم، ويهدئون روع الصهاينة ويقنعونهم بأنهم معتدلون وراغبون في السلام، وأن هذا سيخلق ديناميكية تفرض على الحكومة الإسرائيلية أن تصل إلى اتفاق عادل أو شبه عادل. ولكن الذي يحدث هو عكس ذلك تماماً. فكلما ازداد الاعتدال العربي زاد التطرف الصهيوني وزاد التمسك بكل شبر من الأرض المحتلة. والعكس بالعكس، فكلما زاد التطرف العربي، أي المقاومة المسلحة، ازداد الصهاينة رشداً واستعداداً لتَقبُّل فكرة السلام الذي يستند إلى العدل والمقررات الدولية، بدلاً من السلام حسب الشروط الصهيونية، أي الاستسلام الكامل.

إذن لا يمكن أن تنشأ علاقات طبيعية مع هذه الدولة العنصرية المتخندقة داخل عنصريتها بالسلام وإنما بالقوة وعلى مبدأ ما أُخذ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة لذلك على الفلسطينيين والعرب ان يطووا صفحة عملية السلام ويعودوا إلى المقاومة المسلحة لإرجاع فلسطين الحبيبة.



تعليقات القراء

ابن العقبة
صارلك سنة عاطل عن الشغل اشتغل
13-07-2011 02:59 AM

أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات