اغلاق

"عمّان في القلب"


شكرا ً فيروز فلم تنطقي إلا ّ بالحق .. لأن عمان هي مثل كل حاضراتنا، في قلب كل مواطن في هذه الأمة، وخصوصا ً في محنتها المصيرية الحالية بعد أن وقعت أسيرة اتفاقية وادي عربة ومأساة تأجير الأراضي، لأنها أصبحت في موقع متميز من صراعنا التاريخي مع اليهود هو موقع "قلب" عين الإعصار في مخطط الشرق الأوسط الجديد والذي نختصره بفضّ الألغاز والأقنعة بعبارة "إسرائيل" من النيل إلى الفرات، وحكم العالم انطلاقا ً من هذا الموقع الفريد. ونكرر القول للأجيال الصاعدة في مجتمعنا وللذين آذانهم ليست للسمع .. لعل وعسى .. : إن الذي يحكم هذا الموقع الفريد يمكنه أن يحكم العالم بجميع المفاعيل الجغرافية والإستراتيجية والاقتصادية وبالتالي السياسية. وإن سدرة منتهى الصراع التاريخي هو بإحدى نتيجتين لا ثالثة لهما: إما الدولة اليهودية المحتلة المغتصبة في هذا الموقع الفريد وإما دولتنا القومية، والسبيل الوحيد للحسم هو المواجهة الصريحة المكشوفة في جميع المجالات. وإن السبيل الأمثل والكافي لانتحارنا وفنائنا وإقامة الدولة اليهودية في هذا الموقع الفريد هو التخلي عن حقل واحد من حقول الصراع ثقافيا ً كان أم اقتصاديا ً أم تربويا ً مع التشديد أم إعلاميا ً أم سياسيا ً أم عسكريا ً، ودون وجل ولا تردد ولا ارتجاف ولا تراجع. وإن شعبنا في هذه المنطقة يواجه الإمبريالية العالمية المتهودّة التي تتماهى من الأساس مع اليهودية العالمية وقواعدها التوراتية ومؤسساتها الصهيونية. وهذا التماهي يطال المنطلقات والخطط والأساليب والأهداف معا ً. لذلك فإننا نعتبر أن كل دعوة للتغيير في هذا الموقع المميز تغفل من معادلاتها تحرير فلسطين، ولا تضعه في رأس أولوياتها المعلنة الصارخة هي دعوى ساقطة في أشراك الإمبريالية الدولية المتهودّة وإسرائيلها. وإن هذا السقوط يتجاوز بمفاعيله جميع الخيانات المرتكبة عبر التاريخ القديم والحديث بحق شعب هذا الموقع الفريد، وبحق أي شعب في العالم على الإطلاق. وإن جميع المواطنين في هذا الموقع الفريد هم وحدة ٌ بانتمائهم الطبيعي، وحدة بتعرضّهم للفناء بحكم المخطط الواحد للعدو الواحد الموحّد، وحدة في واجب الصراع، وحدة في توجه أولى أولويات هذا الصراع لتحرير فلسطين، وإلا لن يسلم فرد واحد في كيان واحد ولا حكومة واحدة حتما ً من النتائج السلبية لهذا الصراع. وإن الغرب الإمبريالي المتهوّد المتوحش، وخصوصا ً الولايات المتحدة وجميع رديفاتها الأوروبيّات، لا يصلح بجملته وتفاصيله لضمان سلم أو سلامة لأحد لأنه، بعد جميع التجارب والوقائع والاختبارات المريرة، هو كما أسلفنا عدوّ كامل المواصفات بامتياز، بنهبه التاريخي لمواردنا وبتقسيمنا منذ سايكس – بيكو ووعد بلفور وبمنعنا من التوحد الاقتصادي والسياسي وبربط اتباعه من حكوماتنا بعجلة خطة إفنائنا، وبإغراء التكتلات السياسية العشوائية الغبية القائمة بفعله وتوجيهه بالتقسيمات السياسية الجديدة التي يعدها لنا كآخر مسمار في نعش وجودنا الحضاري والطبيعي. لأنه يصر كما نكرر دائما ً على قتل الشاهد الأصلي على همجيته وادعائه أساس الحضارة. والشاهد هو نحن شعب هذا الموقع الذي مدّن البشرية، وقد عصا هذا الغرب الهمجي الإمبريالي المتهوّد على التمدين. لذلك نكرر القول أن الحد الأدنى المقبول لتوجهنا هو تحرير فلسطين بكل تبعاته وموجباته.

وعلى هذا الأساس نحن نقول إن عمان تغوص في القلب أكثر فأكثر مع كل التحرق وكل التمني. وإن شعبنا في الأردن قد تراجع تراجعا ً خطيرا ً عن المتطلب الاستراتيجي باقتلاع وتقليع السفارة الإسرائيلية في عمان وإلغاء اتفاقية وادي عربة، إلى مطلب تافه هو إسقاط الحكومة وإجراء انتخابات. ومنذ إجهاض المسيرة المليونية لاقتلاع السفارة الإسرائيلية وحتى اليوم أكثر تم اسقاط أكثر من حكومة ولم يحصل إلا شيء واحد هو الابتعاد التدريجي عن المطلب الاستراتيجي والغرق في المطالب "الديموقراطية" التي يتبناها الغرب وإسرائيله بالتحكم عن بعد وعن قرب لتغييب المطلب الأصلي الذي يوحد الشعب على طبيعته ومعركة مصيره، وإلهائه بمطالب متفرقة ليس موحدا ً على منطلقاتها ومفاهيمها وأبرزها الديموقراطية، وشكل الحكم القادم ... من الغيم مع الأمطار الغربية الحبلى بالتقسيمات الجديدة القاتلة. وقد أسمينا عدم حصول المسيرة المليونية إلى سفارة العدو إجهاضا َ حيث التقى تهديد السلطة مع تهويل جهة من المعارضة بقمع السلطة، وهي جهة الأصولية الدينية التي تؤرجح الموقف من أجل مكاسب انتخابية تتوخاها في سياق مغازلة الغرب لها بإمكانية الموافقة على حكم أصولي لن يقوم إلا كأداة شرسة للتقسيمات الإجتماعية والسياسيةالتي يعتقد الغرب أن هذا أوان تنفيذها. ومن هذه الزاوية حصريا ً يتكرر في الأردن المسلك الأصولي الذي شهدناه ونشهده في مصر.

أما الفارق الجذري فهو وقوع الأردن في قلب عين الإعصار. والبانوراما التي نعرضها تظهر وجهة نظرنا أنه لم يحصل في هذا الكيان منذ عقود طويلة، وعبر الصراع المرير، سوى ارتفاع قدرات الأصوليين الذي ترافق مع التدحرج التدريجي المستمر والدائم إلى السلام القائم والمعلن باتفاقية وادي عربة.

بعد تنفيذ اتفاقية سايكس – بيكو وتأسيس الكيان الأردني والكيان اللبناني بقرار واحد مع الكيان العبري، وإعلان إمارة الشرق العربي، شكل المرحوم الملك عبد الله (الأمير في حينه) أولى حكوماته برئاسة رشيد طليع الوحدوي المعروف من جديدة الشوف من أعمال جبل لبنان. وأراد المرحوم بذلك أن يثبت أمانته للوعد الذي قطعه للشعب في الرسالة التي وجهها في مدينة معان في طريقه لاستلام زمام إمارته الوليدة بعد انتصار الثورة العربية الكبرى المجيدة. وكانت الرسالة بعنوان "بيان إلى أهالي سوريا" وعد فيها بالمحافظة على طموحات الشعب وإرادته. فجمع في حكومته عددا ً من الذين خرجوا محبطين من ميسلون، وكان منهم على سبيل المثال فؤاد سليم الذي عينه قائدا ً للدرك .. وعندما اشتدت الثورة السورية الكبرى عام 1925، كانت حكومة رشيد طليع تسهل تسريب السلاح إلى الثوار في درعا والسويداء. واكتشف الفرنسيون هذا الأمر واحتجوا لدى بريطانيا بأن الريح تأتيهم من الحصة البريطانية في قسمة سايكس – بيكو. فطلب المندوب السامي البريطاني في فلسطين من سمو الأمير منع حكومته من متابعة هذا الأمر. لكن رشيد طليع المؤمن بقوميته والأمين عليها فعلا ً طنـّش طلب الأمير. فعاد الإنجليز إلى طلبهم. وعندما تشدد الأمير في طلب الموضوع من رئيس حكومته، فضل رشيد طليع الاستقالة وعاد إلى منزله في جديدة الشوف في دولة لبنان الكبير. ومن الوقائع التي يذكرها الملك عبد الله في مذكراته أن المندوب السامي في فلسطين وجه إليه رسالة عام 1936 (موجودة في المذكرات) يطلب منه فيها الطلب من وجيهي فلسطين (النشاشيبي والحسيني) بأن يخففا من وطأة الثورة بين الناس. فأجابه برسالة خطية كذلك (في نصوص المذكرات) أنه أوصل الطلب إلى الرجلين فأجاباه بأنهما لا يجرؤان على طلب ذلك من الشعب، لأنهما يتلقيان من حين لآخر رسائل موقعة بعبارة "عزرائيلك جبرائيل الأمة" .. وكانت الأخبار تتناول عدة لقاءات بين سموه ومسؤولي الوكالة اليهودية في غور الأردن ووادي عربة ما بين 1933 و 1936 . وعندما أعلن حكام العرب الحرب على اليهود عام 1948، اعترض سموه. وكانت نتيجة ذلك تعيينه قائدا ً أعلى للجيوش العربية الظافرة المتقدمة إلى فلسطين. وكانت القيادة الفعلية للجيش الأردني (واسمه الرسمي الجيش العربي) .. ولقائده غلوب باشا البريطاني المكنـّى "أبو صالح".

وفي عام 1967 سميت النكبة المكعـّبة نكسة زيادة في تضليل الشعب وحماية لسمعة الذين اجترحوها ولمواقعهم، ووقف جلالة المرحوم الملك الحسين الأول في الأمم المتحدة خطيبا ً ، وأعلن بالفم الملآن في خطابه أنه نادم أشد الندم لأنه لم يؤهل الجيش الأردني لهذه الحرب .. ليتبين في ما بعد أن هذا الجيش كان مؤهلا ً بشكل ممتاز لحرب أيلول 1970 و "لإرادة ملكية سامية"، وضد مصير الأمة كلها، والأردن منها في موقع القلب من عين الإعصار. وعند خروج الفدائيين من الأردن بإشراف الجامعة العربية المجيدة تمت الصفقة في اجتماع مكتوم بين المرحومين أبو عبد الله وأبو عمار في أحد القصور الملكية العامرة بحضور مندوب الجامعة في حينه الباهي الأدغم .. (أو الباغي الأدهم) .. ومن غريب الصدف ، وتاريخ العالم العربي الحديث كله صدف، أن دور تلك الجامعة كان دائما ً دور شاهد ما شفش حاجة. وهذا ما يؤكده أمينها العام السابق المدعو عمر موسى الذي كرر مرات عديدة وبعد كل موقف هزائمي أن تلك الجامعة غرر بها وخدعت .. ومن غريب الصدف أن هذا المغرر به دائما ً والمخدوع دائما َ، أي الأبله بامتياز، باعترافه الصريح، يتطاول اليوم إلى حكم مصر إكمالا ً لدوره العفيف الشريف في مواجهة الهيمنة الإمبريالية المتهودّة وإسرائيلها والمجسدة في ما يخص مصر باتفاقيات كامب ديفيد، بداية تمجيد الذل والخيانة والخداع والانخداع، وما احتوته من التزام مصري باحتواء الفلسطينيين وترويضهم للسلام عبر الإمساك بخناق غزة في المرحلة الراهنة. والخبر اليقين حول ذلك عند ابن اليهودية عمر سليمان الذي لا يزال محميا ً من كل سوء بدعاء أمه وصلواتها التوراتية.

*******

عمان في القلب ... في قلب عين الإعصار، بقضها وقضيضها، بأحرارها وعبيدها. وما أمرّ حياة الحر الذي يبتلى بالعيش مع العبيد. فيا أحرار الأردن، نحن في صلب معاناتكم وجدانا ً وشعورا ً .. وعملا ً.

ولا نذكركم بتفاصيل مفاصل هذه البانوراما، لكننا نطالبكم، فوق معاناتكم بشرحها للأجيال الطالعة التي لم ترافق نضالكم في هذه المفاصل، منعا ً للزيف ولتمجيد الخيانات ولعن البطولات، ولتتخذ هذه الأجيال مواقعها الأصلية الأصيلة في المعركة القومية للتحرر والتحرير بوجه الإمبريالية الدولية المتهودّة، والتوجه الواحد إلى تحرير فلسطين.

عندما أعلن المرحوم الملك حسين الأول خطوته بفك الارتباط مع الضفة الغربية .. وخيّر الفلسطينيين في الأردن بين الجنسية الأردنية والرحيل إلى أرض دولتهم العتيدة .. فـَهـِم مجموعهم بأن أيلول أسود جديد يلوح في الأفق .. وفسر المرحوم قراره بأنه دعم لإبراز الشخصية الفلسطينية والهوية الفلسطينية بوجه "إسرائيل"، بعد أن وفـّى جميع أدواره القومية الجليلة، وبقي عليه هذا الدور. وسارع وفد من منظمة التحرير إلى عمان لتأدية واجب الشكر لجلالته على دعمه للشخصية الفلسطينية (وكان الوفد برئاسة شخص أو حرف من اسمه محمود عباس). وظنّ بعض الأبرياء أن منظمة التحرير قد امتصت الصدمة بحكمة لحماية المخيمات في الأردن، وسكانها من تشريد جديد أو مجزرة جديدة. وسكت بعدها صاحب الجلالة، والخبر اليقين عند العبقري السياسي محمود عباس: لماذا لم يتابع جلالته مطالبة الفلسطينيين بالاختيار بين عرضيه الرحيمين؟ . وحقيقة الأمر أن الدورين مدروسان من قبل البطلين المسالمين المستسلمين، القائد الرمز والأب الحاني، من أجل الإمعان في مخادعة الشعب وتضليله. لأنهما بعد ذلك سارا معا ً وبشكل مكشوف وعلني و "جريء" إلى المذبح الانتحاري للشعب كله باتفاقيات أوسلو ووادي عربة. وما بعد ذلك أوضح من الشمس وإن كان بعض ما قبله يحتاج إلى نظرة سريعة.

في بدايات عام 1988 قام جورج شولتز بآخر زياراته المكوكية الثلاث عشر على ما نذكر. وعقد في هذه الزيارة اجتماعا ً مغلقا ً مع صاحب الجلالة بحضور شاهد وحيد هو مضر بدران الذي لم يكن له في حينه أي موقع رسمي. ومن عيون الحيطان وآذانها رشح ما رشح، وفي وقت متأخر جدا ً، إلى بعض المناضلين، عما تم في هذا الاجتماع. فقد أبلغ شولتز صاحب الجلالة أن المسؤولين الإسرائيليين "لا مانع عندهم" من إقامة سلام معكم. لكنكم أنظمة قمعية مهزوزة. فقد تواجهكم ثورات تجرف معها اتفاقيات السلام. لذلك فالشرط الأول للسلام هو الموافقة على الاتفاقيات من قبل مجالس منتخبة من الشعب. فالسلام هو للشعوب وليس للحكام فقط. والشرط الثاني هو أن كل توجه للوحدة بين كيانين في الموقع الفريد يعتبر تهديدا ً لأمن "إسرائيل". وعندئذ فإن "إسرائيل" نفسها تسقط الاتفاقيات وتباشر الحرب فورا ً. فاعلموا أن الوحدة ممنوعة. والشرط الثالث هو محاربة الإرهاب. والشرط الرابع هو إلغاء الأحزاب، وخصوصا ً تلك التي تذكر دائما ً بخطة "إسرائيل" الكبرى من النيل إلى الفرات. والواضح من هذه الشروط أنها تتضمن اجتثاثا ً للإرادة الشعبية القومية العامة وللكرامة ولجميع الأنياب والأظافر، وحتى لنظرات الغضب إلى هذا العدو المسالم البريء، فماذا كانت ردود جلالته العملية، لأن رده الكلامي لم تنقله الحيطان.

أعلن صاحب الجلالة الهاشمية عن مرحلة انفراج سياسي وعن إجراء انتخابات عامة قريبة وعن السماح للأحزاب بالعمل ضمن القانون .. ثم استدعى مسؤولي الأحزاب والمنظمات "المشاغبة" تاريخيا ً وأبلغهم أن بإمكانهم العمل بضمانته الشخصية، إلى أن يصدر قانون للأحزاب. وإن بإمكانهم المشاركة بالانتخابات القادمة، وليأخذوا أكثرية وليحكموا .. ولكن السياسة الخارجية مسؤول عنها الملك وحده .. وأن المعارضة مسموحة في مجلس النواب، وأن كل محاولة شغب في الشارع للضغط وإملاء المواقف .. ستفرم وبعنف. وشهد على أثر ذلك الحزب الشيوعي الأردني انشقاقا ً عريضا ً اتهم فيه المنشقون الأمين العام يعقوب زيادين بالمساومة مع الملك على حساب مصالح الشعب.

ثم عمد جلالته إلى حل المجلس الاستشاري الذي كان يعينه دوريا ً للقيام بدور مجلس النواب، بإرادة ملكية سامية، وبإرادة ملكية سلمية دعا إلى الاجتماع مجلس النواب الذي كان محلولا ً ومنحلا ً منذ سنوات طويلة، وطلب منه وضع قانون للانتخاب طبق في تشرين الأول – تشرين الثاني 1989. وهكذا تم تنفيذ الشرط الأول من شروط ولد العم الأحباء.

وكان جلالته قد شكل لجنة وطنية لوضع ميثاق وطني يكمل الدستور وله فعل الدستور. وتساءل البعض لماذا لا يعدل الدستور إذن؟؟ ولكن أصواتهم ظلت أخفض بكثير من إنجازات جلالته الديموقراطية. ومثـّل أعضاء اللجنة مختلف الأحزاب والمنظمات، وأنهت عملها بعد انتخاب المجلس النيابي. وتلا جلالته الميثاق في اجتماع عام أمام ألفي شخصية أردنية. فجدّدوا البيعة له على أساس الميثاق. والمجلس النيابي منصرف إلى أعماله التشريعية الخطيرة. وكانت مقدمة الميثاق الوطني ترحما ً على المرحوم الملك عبد الله الأول وتبريكا ً لثراه لأنه أنقذ بحكمته شرق الأردن من وعد بلفور.. ولو أخذ العرب برأيه عام 1947 – 1948 (يعني رفض الحرب) لكانت النتائج أقل ضررا ً على الأمة. وبقية الميثاق تدور على أن الأردن وطن نهائي، مع الإشادة بالنظام الأردني الحضاري وضرورة استمراره. وقد أوصل أحد الخبثاء رأيه إلى أولياء الأمر بأن لا مصلحة لهم بالترويج لفكرة انقاذ شرق الأردن من وعد بلفور لأن ذلك يعني بالضرورة الموافقة على تطبيق وعد بلفور على فلسطين. وبعد أن أتم جلالته بصمته على الشرط الثاني بمنع الوحدة، تابع تطبيق شرط إلغاء الأحزاب الخطرة على أمن إسرائيل: فجاء في قانون الأحزاب أن الحزب يجب أن يكون أردنيا ً فحسب. ويمنع القانون أن يكون الحزب امتدادا ً من خارج الأردن أو يكون له أي امتداد لخارجه. وهكذا خصيت الأحزاب القومية جميعها. وكان التبشير بخصيها قد سمعه مختلف القوميين في مؤتمر لتفعيل الفكر القومي دُعوا إليه في المركز الثقافي الملكي بعد الحرب الأولى على العراق. وبعد يومين ونصف من المحاضرات والمحاورات، لخـّص رئيس المركز الثقافي الملكي الدكتور إياد قطان أعمال المؤتمر مصرحا ً : (فإذن .. لم يعد هنالك شيء اسمه الحزب السوري القومي الاجتماعي .. لم يعد هنالك شيء اسمه حزب البعث العربي الاشتراكي، لم يعد هنالك شيء اسمه حركة القوميين العرب. ومن يريد أن يقوم بعمل قومي عليه أن يجد إطارا ً جديدا ً لعمله .. وعندما صدر قانون الأحزاب بعد ذلك قليلون جدا ً هم الذين ربطوا القانون بتصريح جلالته على لسان عبده القطان.

إن عداء النظام الأردني للنهج القومي ليس سرا ً يكشف. فالأستاذ عدنان أبو عودة الغني عن التعريف، وهو من صاغ إعلام النظام لسنوات طويلة، كان يصرح دائما ً أن الكيان الأردني كيان حضاري يجب أن يستمر. ولكي يستمر يجب أن يتبع دائما ً نهج منع الوحدة بين سوريا والعراق لأن الوحدة تلغي مبرر وجوده. فكم من الفتن صاغ هذا النظام بين دمشق وبغداد عبر تاريخه المجيد؟ إننا مضطرون في خضم ما نحن فيه من صياغة جديدة لنهج الوحدة والتحرير أن نترك هذا السؤال لزمن يأتي.

يا شعبنا في الأردن، يا أحرار الأردن، أيها المكابدون المعانون أقسى معاناة في تاريخ أمتنا الحديث، إلى جانب شعب فلسطين المحتلة، إن كل ما يجري من إحداثيات سياسية في أردننا الحبيب منذ 1988 هو تطبيق لشروط اليهود للسلام الانتحاري. فانظروا ودققوا، وقولوا للحكم وأركانه وللعارجين في معارضتهم: لكم أردنكم ولنا أردننا. أردن العمل الفوري والتوجه النهائي إلى سلوك تحرير فلسطين متجاوزين المعوقات انطلاقا ً من اقتلاع السفارة الرمز. لكم ولمناضليكم ولشهدائكم ولكرامتكم الغالية كل المحبة وكل الإكبار.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات