اغلاق

مع الواقف حتى يسقط


من المعروف أن الجحود والنكران من طبع بعض البشر ، خاصة تلك التي تحيا وتعيش بدون مبادئ أو قيم ، فلا حليف ولا صديق لها إلا طريق الوصول إلى تحقيق مصالحها الشخصية ومآربها الخاصة ، وغالبا ما تتم هذه الظاهرة المشينة بطرق دنيئة ورخيصة ، ولا غرو أو غرابة في ذلك لأن المتسلقين دينهم النفاق وسنتهم التملق حتى إذا ما زال سلطان وجاه ولي نعمتهم وتنكرت له الأيام ، ووجد نفسه في الخلاء وحيدا غريبا عاريا بدون أنيس أو نصير ظهروا على حقيقتهم.
الأمثلة عديدة على هذه الظاهرة في تاريخنا العربي بكل جلاء ووضوح ، وتبدو أكثر وضوحا مما حصل مع بعض الزعماء العرب ممن مكث في سدة الحكم لعقود طويلة وبعد أن تركوا الحكم وغادروه لأي سبب ما ، تخلى عنهم المنتفعين والوصوليين وواجهوا مصيرهم المحتوم وحدهم فرادى ، واستبدلهم المتلونون والاتباع بغيرهم من الأصنام والمارقين والانتهازيين ، ممن كانوا في الخفاء يعتاشون ويتنعمون بالفتات الذي كانوا يلتقطونه من موائدهم بالأمس القريب.
تذكرت ذلك وأنا اشاهد أحد كبار المسؤولين السابقين في الدولة ممن تقلب في حضن المناصب العليا يمنة ويسرة حتى بلغ ما بلغ وصار معلما من معالم البلد ، في وقت التمس لضحاياه ومعارضيه غير الشرفاء بعض الاعذار في قدحه وذمه لأنهم لم يستفيدوا من فترات وجوده في السلطة والمواقع المتعاقبة التي مر على وجوده فيها عقود ، قلت في نفسي أين ترى الذين انتفعوا وتسيدوا وصالوا وجالوا ومدحوا وصدحوا لسنوات وسنوات وصدعوا رؤوسنا بهرائهم وتملقهم كذبا وزورا في سيرة هذا الرجل .؟
ويحظرني ايضا اعتقاد لا شك فيه بأن بعضهم قاطع حتى والديه والغى صداقته مع أعز الناس من أجله حينما كان الآمر الناهي .! لماذا لا يذكرون فضل هذا الرجل وكرمه وعطاياه .؟ أليس هو من كان ولي نعمتهم وسيدهم وصانع مستقبلهم الوظيفي ، خاصة منهم من كان لا يفرق بين حرف الـ (ض) و (ظ) ، أليس البعض منهم من كان بالأمس القريب لا يملك ثمن علبة سجائر من الصنف الثالث .؟ لكن برعوا في النفاق والتملق والتزلف ومسح الجوخ ولخداع عندما كان في المنصب وأوغلوا في التسحيج والتسبيح بحمده.
للأسف تجد اليوم بعض المسؤولين أكثر حبا للمداهنة وسماع المدح الزائد والإطراء الكاذب ، والبعض منهم يرى بأن نجاحه مرتبط ارتباط وثيق بتلميع صورته هنا وهناك ولو بشيء من الزيف والدجل ، فتراه يتمسك بكل من يتزلف له ويدغدغ عواطفه بالكلام المعسول ، مع إدراكه التام لحقيقة من يتملق له ويعلم ما بأنفسهم علم اليقين بأنهم أرخص أنواع البشر ، لكن سكرة المنصب وحلاوة الكرسي وهيلمان المسؤولية الكاذب ينسيه ذلك ، ولا يعلم بأن أكثر ما يفسد المسؤول مهما علا شأنه نفاق المنافقين والمتملقين المتزلفين من حوله.
مثل هؤلاء تجدهم مثل كالحرباء وبذات الوقت جبناء عند المواجهة يتنصلون من أصنامهم التي عبدوها دهرا سيماهم في وجوههم من الذل والمهانة ، ويصطفون دائما مع الواقف ما دام واقف حتى يسقط ، فليتهم صدقوا مع أنفسهم قبل الآخرين ، وليتهم يمتلكون الجرأة ويقولونها بملء الفم وأمام الناس: (هذا ولي نعمتي ومعلمي ورئيسي ومن قدمني وصنعني عندما كنت لا شيء ، وله دين في رقبتي لا أقوى على سداده ما حييت).



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات