اغلاق

حماية البيئة وأزمة علاقة الانسان بالأرض


أرضنُا الجميلة أفسدناها بعد إصلاحها! أفسدها الإنسان بماديّته، وها هي تحتجُ على طريقتها. هي في الواقع تحتج منذ عقود وتنتفضُ في وجه ممارسات وسلوكيات البشر غير المسؤولة تجاه عناصرها الحية وغير الحية. فتغير المُناخ حتى صار تغيره أقرب إلى الانقلاب منه للتغير، فارتفعت حرارة الأرض وتصحرّت أجزاء معتبرةٌ من يابسة الكرّة الأرضية، وذابت مجاميع الجليد وخزّانات الماء العذب على أطراف الأرض وتراجعت بحدة مساحات الغابات وتلوث الهواء وعانى الناس في أكثر من مكانٍ من سوء أحوال الأرض.
بالمقابل، وتكفيراً عن ذنوب الإنسان في حق الأرض تم إطلاق العديد من المبادرات والمؤتمرات التي ساهمت إلى حدود بسيطة في تخفيف حدة إفساد الأرض. لكن الحلول كانت دائماً لا تقترب من جوهر المشكلة وهي أن الانسان لم يستطع بعد تعريف علاقته بالأرض، فأساس كل المشاكل البيئية التي تفرض نفسها كتحدياتٍ وجوديّة يعود إلى فهم الانسان الخاطئ لعلاقته بالكوكب وما فيه، لقد تعامل الانسان مع الأرض باعتباره سيداً يملكها بما فيها وليس أحد موجودتها فحسب، بل هو الموجود العاقل الوحيد المكلّف والمستخلّف فيها لعمارتها. ولعل المفارقة التي تدعو للأسف والاستهجان أن عدوانية الانسان لم تقتصر على الكائنات والمخلوقات فقط بل شملت حتى الانسان نفسه بالحروب والنزاعات وغيرها من مظاهر قسوة وإجرام الانسان في حق الانسان.
لقد كان مفهوم البيئة الاصطلاحي بعيداً عن ملامسته هذه الحقيقة الخالدة، فأي تعريف للبيئة يخرج الانسان من مشتملاتها سيبقى قاصراً عن تحقيق أغراض حماية البيئة وتنميتها. فالبيئة هي الأرض وما فيها وما عليها وما حولها إلى أبعد مدى. فبهذا الفهم الواسع للبيئة يمكن البدء بفهم وتعريف علاقة الانسان ليس بالأرض فقط بل بالوجود المكاني والزماني. هذا ليس مجرد طرحٍ فلسفي مثالي حالم، بل هو تصورٌ أُرشد الانسانُ إليه في كتاب الله تعالى بآيات القرآن الكونيّة وغيرها من الآيات التي تُعرّف الانسان بالخلق والمخلوقات والخالق، وترشد الانسان إلى مبادئ ومعايير لتوزان الكوكب واستدامة عناصره وضبط السلوك البشري في التعامل معه بعيداً عن الإسراف والإفراط أو الإهمال والتفريط.
وفي سياقٍ واقعي، ودون النظر إلى فرضيات الافتعال والمصادفة، فإن انتشارُ وباء "كورونا" في غمرة انشغال الانسان بالجمع والاستنزاف والتدمير لكثيرٍ من مظاهر الحياة والتوازن على الأرض وما حولها، ووسط حالة اللامعقول في فرض أولويات الاقتصاد والصناعة والاستهلاك والصراعات المجنونة التي تغمر الأرض وتُطيح بكل قيم العدالة والأخلاق، جعل الانسان يصطدم بالحائط في مسار ما اعتقد أنه تنمية، ولكنها ليس كذلك طالما أنها أفرغت وما تزال معنى الوجود الإنساني من مضمونه الروحي كخلقٍ من خلق الله، عليه مسؤولياتٌ عظيمة في مواجهة نفسه والخالق والمخلوقات. ولعل المفارقة تكمن في أن تقييد حركة ونشاط الانسان وضبطهما ساهما بشكلٍ سريعٍ وملحوظ في تحسين حالة البيئة خلال أسابيع قليلة ما يؤكد إمكانية حماية البيئة وتنميتها بقليل من الرُشد في تفكير الانسان ونشاطه.
وسيظل الحديث عن البيئة وحمايتها وتنميتها محدود الأثر طالما أنه يتم خارج إطار فهم المضمون الروحي لوجود الإنسان، ما يقتضي تصحيح المفاهيم ومراجعتها وبناء منظومة سلوكٍ بشريّةٍ تحكم علاقات الانسان بالإنسان والكون والكائنات.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات