اغلاق

تسكين المعارضة وإسكاتها


النظام السياسي العربي هو أكثر المستفيدين من وباء كورونا، فهذا الوباء نقمة على الشعوب، نعمة لهذه الأنظمة، خصوصا، في هذا التوقيت بالذات.

مع كل الضخ الإعلامي حول كارثة كورونا، وإغلاق دول العالم لحدودها، وتقطيع أوصال العالم، وتحوّل الدول إلى جزر معزولة، إلى الدرجة التي أغلقت فيها الولايات المتحدة مطاراتها في وجه الأوروبيين، وإغلاق عشرات الدول لحدودها في العالم، وأخبار الضحايا وصور المصابين، ارتفع منسوب الذعر المعنوي، ووجدت فيه المنظومة الرسمية العربية وسيلة ممتازة لتعزيز الخوف عند شعوبها.

مع كل هذه الأجواء، سوف ينسى الإنسان العربي، حقوقه، بل ويحدث استبدال في أولوياته، فهذا الإنسان الذي كان يعترض سرا أو علنا على الفساد أو سوء الإدارة أو نهب موارده، أو حتى تعسّف نظامه، ووجود قمع أو تعذيب أو قتل، وغير ذلك، سينسى كل هذا مؤقتا، وسوف يتخلى عن معارضته لاعتبارات نفسية تتعلق بنشوء خطر مستجد وأكبر، ولربما يشتد تعلقه بمؤسسات دولته على ضعفها، أو سوء إدارتها كونها الطرف الوحيد المؤهل جزئيا للتعامل مع هذا الوباء.

لا تسمع اليوم عربيًا يتحدث عن الانتخابات في بلاده، أو أسعار الوقود، أو الغلاء، أو الفساد، أو قسوة النظام، وكل ما يتحدثون به، وباء كورونا، وماذا يحدث في العالم، ومصير البلد الذي يعيش به، ومع كل خبر سيئ يرميه الإعلام في وجوهنا تشتد الأزمة النفسية والمعنوية، وتنقلب الأولويات، وتصير الأولوية الأولى حماية النفس والعائلة، والنجاة من هذا الخطر الجديد الذي له مهمة وظيفية أخرى، بعد تسكين الأصوات المعارضة، وهي تحميله كل مسؤولية الإخفاقات الاقتصادية، والتراجعات الداخلية باعتباره السبب أولا وأخيرا، ولولاه لكنا في أحسن حال.

النظام الرسمي العربي، لا يفتقد للذكاء عند مصلحته فقط، ويكاد اليوم أن يقول للناس اخرجوا إذا تجرأتم في مسيرات أو مظاهرات من أجل أي قضية، وهو يعرف أن الناس تفرّ من التجمعات، وبسبب طبول كورونا، لن يتمكن أحد من جمع اثنين في مظاهرة أو مسيرة، خوفا من وجود الوباء أو نقل العدوى، ومع هذا تصير مصلحة الناس التزام بيوتهم، والتفكير بالنجاة فقط، أمام هذا الوباء.

خلال أسابيع قليلة فقط سقط العالم، من ذروة جبروته وتكبره، وعاد إلى الوراء مئات السنين، فدول عظمى تدخل الشرنقة حماية لنفسها، وأمام هذا المشهد لن يكون سهلا على العربي استبصار الجانب الذي توظفه الأنظمة الرسمية العربية، لوباء كورونا في حساباتها الداخلية، فدول أكبر وأعظم تنهار أمام المشهد، ونحن لسنا أحسن حالا، ومن الطبيعي أن نتأثر، بل ومن الضروري وقف التفكير في كل شيء، أمام حجم الكارثة التي تعصف بالعالم هذه الأيام، وهي كارثة تكبر يوما بعد يوم.

خبراء الحرب المعنوية في العالم العربي يزدهر زمنهم عند النظام الرسمي العربي، ولهذا يشتد تهويل النظام الرسمي لهذا الوباء خصوصا في الدول التي بها معارضة، أو تسمح بأنماط من المعارضة البرلمانية والإعلامية والحزبية، وهم فوق أخبار كورونا التي تتدفق عبر الإعلام العالمي، يزيدون الهمّ علينا، فيتم التركيز على عاصفة التنين التي سيغرق الشرق الأوسط بسببها، وكلام عن زلزال محتمل، وقصص مركبة، فتصير معنوياتك في أدنى درجاتك، وتهبط روحك المعنوية.

كورونا ليس مجرد وباء، فكل الدول توظفه، وفي صراعات الدول الكبرى يتم توظيفه من أجل فرض حصار اقتصادي على الصين أو غيرها، أو خفض سعر النفط بسبب توقف المصانع، وهذه صراعات كبرى، لسنا شركاء فيها، وسقف توظيفاتنا محدد وصغير، إسكات العربي، وإثارة ذعره مما يجري، وجعله يسأل ليل نهار لماذا جاء عام 2020 بهذه الطريقة، وهل هذه نهاية الدنيا؟!.

بهذا المعنى يصبح كورونا مجرد موظف صغير في وزارات الداخلية العربية، ينفذ المهام بكل اتقان، دون تحميل أيّ جهةٍ رسميةٍ مسؤوليةَ إخافة الناس.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات