اغلاق

سَلَفِيَّةٌ في الحب


عشوائيات في الحب - العشوائية 21

كانت حياتي معاناةً لا تنتهي ، فقد تأزّمت أحلامي ، ووصلت إلى طريقٍ مسدودٍ غيرَ نافِذٍ . كنتُ أظنها لا تستحقُّ العيشَ ، حتى زُرْتُ المقابرَ ذاتَ مساءٍ .

تجوَّلَ عَجَبٌ في عينيَّ التي كانت ترقُبُ نوارسَ البَحر ، من حيثُ كُنَّا نجلسُ عصراً ، في مقهى على شاطئ البحر بالقرب من مطار لارنكا في قبرص . وبانَ جليَّا على صفحاتِ وجهيَ ، حينَ أدَرْتَهُ باتجاه محدِّثَتي المُهندسة الجميلة .

قبلَ أنْ أنبسَ ببنتِ شَفَةٍ ، عاجَلَتْني زائرتي قائلةً : في مقابِري ينامُ مَنْ هو أحبُّ أليَّ مِنْ ألفِ حَيٍّ . فيها مِنْ كُنتُ لأربعينَ عاماً ، ثالثَ الإثنين الذين جاءا به إلى الحياة . فيها مَنْ كنتُ وطَنَه ودَرْبَهُ وسَكَنَه . مَنْ كنتُ كتُبه وورقه وشِعره . مَنْ كان يُنصِتُ لِغواياتِ عَيَنَيَّ ، ولا يَحارُ بين كلماتي وشفتيَّ . عندما كانت تغتربُ بي أفراحيَ ، كنتُ أُغْمِضُ عَيْنيَّ فأصِلَهُ ، وأُنيخَ رأسيَ على صدره أو على زِنْده . كنتُ كلَّما مسَّنيَ ضُرٌّ ، أجِدْهُ أماميَ شامِخاً كالطود . يَلْتَقِفُ خَدَّايَّ بينَ كفَّيهِ . يُعانِقُني بكلماتٍ أيْديها حنونة . تُحرِّكُ الطينَ في دواخِلِنا . معها احترَفْنا الحبَّ ، ولم نخْشَ جموحَ خَيْلِه ، كُنَّا مُبكراً قد تمرسنا في ترويضِ العَنودِ مِنها .

أكملَتْ وهي تُشعل لُفافَتَها الأولى : قبلَ أن أستنفذَ كلَّ الدهشةِ وقهوتي معه ، خذَلَنا موتٌ اغتالَ بَسماتي . لَمْلم أفراحيَ في حقائبهِ ورَحل . لم يَرْحل صُدفةً بَلْ كُرْهاً على كُرْهٍ . إنْتَقاهُ أخبثُ الأمراض وألعنُها . لَمْ يُمْهِله فأطاع . رحلَ حبيبي مع الموت إلى هناك ، ومعهُ كلُّ تفاصيلي التي حفظها ونسَّقَها ببراعةِ نَحَّالٍ ، حتى أسْلَسَتْ له قِيادَها ، وباتَت عتباتَ تفهُّمِه لي ، دونَ توغُّلٍ في الشرح .

ما أن انتهت مراسمُ العزاء ، تَشظيتُ إلى خلايا . مع كل خلية نبتَتْ امراةٌ جامحةٌ . ظنَّتْ أنَّ الحبَّ الجميلَ مِنْ بعدِهِ مُستحيل . أخذَ الموتُ إلى هناك قليلَه ، عينيه وشعره ومبسمه ، أخذَ قامَتَه . وأبقى ليَ كثيرَه . أبقى الذكرياتَ في أعماقيَ ، تَتحكَّمُ في مسيرة حياتي . لَمْ أفْلِحْ في إخفائها . ولَمْ أتَمَكَّن مِنْ تَرويضِها . أدخَلَتْني في تحالفاتٍ معَ عقلي ، وفي معاركَ مع قلبي ، ما كنتُ أريد التورَّطَ فيها كُلِّها .

عوَّدتُ نفسيَ على الفراغ . طَويتُ كلَّ لغاتِ آهاتي . أسكتَ الصمتُ لِسانيَ . وانكفأ بعضي على ما تبقى مِنْ بعضي ، مُزاحِماً ما يُدثِّرُني من وجعِ التَّوَهان . امتلأ قلبي بالخيبة . وأتَت على قلبيَ لحظاتٌ أثقل من الجبال . حشرجتُ ،تأتأتُ ، واعتذرت لروحي وقلبي وجسدي . ومن ثم سجدت لله وحدي واقتربت . وبالدمع المنهمر ناجَيْتَه . شَهقتُ مُطوَّلا ، قبلَ أنْ أفيقَ وسكينةٌ ملتبسةٌ تغمُرُني ، وتُربِّتُ على قلبي .

تلبَّدَتْ سمائيَ برجالٍ مِنْ كلِّ صِنف . إزدَحَمَت بملامحَ مُتشابهة . استمعت منْ بعدِه ، لحكايات مكرورة مُملة . أغراضها زادت من خيباتي وعَمَّقَتها . بعضُ من رأيت أرخص مما يقول ، وبعضهم طفلٌ شقيٌّ يبحث عن ام ، واحيانا عن جدَّة . وبعضهم ظنني طفلته . بالتأكيد آذاني بعضهم ، وبعضهم أحياني .

ذاتَ ليلةٍ ، نَسِيَتْ نفسيَ اعتقال وجعها المفترس ، فَشردْتُ وضاقَتْ بِيَ السُّبُلُ . فالْتَقَيْتُ أرْواحِيَ السبعة ، تفتَّحَت ثقوبُ القلب ، ونَبتَ فيها الفُ حَزَنٍ ، وأدركتُ أنَّ بعضَ لغاتِ صمتيَ مسعورةً ، وبعضها كاذبا ، ففقدتُ السيطرةَ عليها . وارتَفعتْ هَيْبَةُ الفقدِ . وداهمني نبضُ الحنين إلى شريك . وحينَ بلغَ الشوقُ نِصابَه ، باتت الحدودُ بين قلبي وعقلي باهِتَةً .

مثقلةً بحلمٍ هاربٍ وحَزَنٍ ساهرٍ ، داهَمتُ أزقةَ الفيس بوك ، وتجولتُ في حواريه . إرتطمتُ بأحدهم هناك . واكتشفتُ أنَّ في القلب متسعا ، لم يَضِقْ به واقعي . لَمْ أُخْفِ جُنونيَ بابتساماته المتزاحمة . أصابتني عيناه بالدَّهشةِ . والتقط قلبي عطرَ كلماته . فلم أجرؤ إلا أن ألاقيه . فَرشتُ له أحمرَ السجاد . خفيفَ الظلِّ جاء . رشيقَ الخُطى تسلَّلَ إلى حياتي ، بلا فترةِ انتظار . وصلَ بحفاوةٍ ةاكتفيت . عاشقةً معشوقةً خلعتُ نِعالَ تردُّدي ، تجاهلتُ ضغوطَ عقليَ وتساؤلاتَه ومعاييرَه . وفي لحظةٍ كنتُ أختنقُ فيها بدموعي ، تدخل القدر فأعَدتُ الاعتبارَ لقلبي . إنطلقتُ وأنا أسألُ أين كان . إنطلقتُ وأنا لا أدري إلى أين !

كانت تتحدثُ وهي مختنقةً بدموعٍ داكنةٍ تأبى مُغادرةَ عينيها . وما أن أنهت اعترافَها ، سالت دموعٌ صامتةٌ مِنْ عينيها . هدأت قليلا قبل أن تقول : أفتني يا شيخي ، جِئتُكَ طالبةً مشورتك .

قلتُ مُحاولا تدعيمَ تباشيرَ هدوئها : أتدرينَ ما الجحيمُ يا سيدتي ؟
قالت بشيءٍ من الحيرة : لا بالطبع .

قلتُ وظلُّ ابتسامةٍ يلوحُ على وجهيَ : الجحيمُ هو العجزُ عن الحب . كل الخسائر في الحياة قابلةٌ للتعويض ، إلا خسارةُ السنينَ الباحثةَ عن حبٍّ مُتخفٍّ . لم يمت أحدٌ حتى الآن بجرعةٍ مُفرِطةٍ مِنَ الحب ، غير أنَّ الذين نفَذَتْ ذخيرتُهم مِنه ، ماتوا وهم أحياء عندَ ربِّهم يرزقون . أتدرينَ أنَّ الفشلَ في العثورِ على شريكٍ ، وعدمِ القدرةِ على الدخول في علاقةٍ عاطفية ، قد صنَّفته منظمةُ الصحة العالمية رسميا إعاقة ، على صاحبها الخضوعَ لإعادة تأهيل عاجل ؟!

إعلمي يا سيدتي ، أنَّ الحب لغزٌ كبير ، لنْ يسلمَ مِنْ تجاربه أحدٌ . ولنْ يفلحَ أحدٌ في حلِّ أُحجِياتِه أيضا . واعلمي أنَّ جُلَّ الطرُقِ غيرَ آمنةٍ ، بغيرِ يدِ شريك . تماما كما أعلمُ أنا ، أنَّ للفقدِ أوجاعٌ لا يعلمُ بها إلا مَنْ عاشَها .

من الصحيحِ أن تَحْذَري صَمْتَ القلوب . ولكن دعيني أذكرُكِ هُنا ، بِأنَّ بيادرَ الحبِّ أوسعَ وأرحبَ من شريك . وأنْ أُنَبِّهَك بأنَّ قليلَ الحبِّ شيئاً خطيرا . فإما أنْ تشربي منه بعمقٍ لِترتوي ، وإما لا تقربيه من الأصل . تَهْربين منْ لُغزِ الحب ، فتُلاقيكِ ذكرياتُه . وتقتربينَ مِنْ أحْلامِه فلا تأتي . ليبقى السؤال : مَنْ يَسبقُ مَنْ في الحب ؟ الحُلُمُ أمِ الذكريات !!!

فهنا ، مَربَطُ الجَدَلِ فيما نَسعى إليه ، وفيما هو مُتاح لنا !!



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات