اغلاق

خلايا نائمة بل حيَّة للأعداء والخصوم


د. بسام الساكت

أسمع وأشاهد، يومياً أخبارا وصورا تمر شريطاً أمامي، كلها تتعلق بالراهن والهابط المؤلم من أوضاع أمتنا العربية والإسلامية. فتوقظني متألماً وتوقظ أيضا، كل من لكلام الرب في جوفه نقش ونورٌ يُهْتَدَى به. فحال الأمة في فلسطين وبلاد الشام والرافدين والشمال العربي الافريقي، هو حال يهز ُّ الأبدان والمشاعر والعقول والقلوب. وهو حال ليس وليد الساعة بل تراكميا، وفيروسا لأمراض، علاجها قطعاً داخليٌ، أكثر منه خارجيا، حتى إن بدا أو إدُّعِي أنه خلاف ذلك.

ويحضرني هنا ما طاب لي من أفكار وعناوين في حوار الإعلامي المرموق عادل مالك، مع الفكر والمفكرين حول حال لبنان عام 1969. فالحال العربي والوصف ممتد. فالأزمة والمأزق والمأزوم حالٌ ينطبق على معظم المجتمعات العربية مهما أعلن أو اختبأ بعض السياسيين، أو بُرِّر التردي بأنه تآمر خارجي بحت، فالشارع العربي اليوم قواسمه مشتركة، ينادي بمعالجة وباء الفساد وتغيير نهج الحكم الى آخرَ ديمقراطي، وينشد العدالة واحترام القانون، وحسن التدبير عند الفرد والدولة، في حوكمة وإدارة المال الخاص والعام، والابتعاد عن الإسراف والهبوط السلوكي المجتمعي، وقلة احترام البعض للبعض في البيت والشارع والمدرسة، وبين الأحزاب وعند الشباب، وتجد من يروّج القطيعة، بل الاستهتار بالموروث الحضاري للأمة لمجرد أنه من الماضي؛ ويجري إلصاق تهم التخلف والجهل بمن يحمل شواخص التراث، وقيم الأهل البناة، ربما لانه هزل في أنفسنا البناء القيمي والسماوي، وأصبحنا في حالة إدمان على الاستهلاك الأعمى – الفكري والغذائي – إنه حقاً عجز معنوي لا ماديا.

وضعفت حلقة وصل أبنائنا بمخزون وقيم التراث الوطني؛ ولأن ثقافة الغرب المنتصر تعلو وتسود، فيقع في أسرها المجتمع المهزوم، المنكوب والمقلِّد بامتياز لقشورها، لا لعلومها، فتعالت ثقافة النوفوريش (نهج الغنى الجديد من دون أصالة). لقد كانت الشعوب العربية تجمعها القيم ووحدة المصير، ويجمع الشباب ما يغرس فيهم الوالدان والأهل والمعلم والكتاب من العلم والطهارة والمناعة، ومن قبيل إنعاش الذاكرة، فقد جمعتنا المدرسة والجيرة، على وحدة مصير الأمة، والتعلق بشجرة التين والزيتون والدحنون، والزعتر والمُرّار والخبَّيزَة، والرمان وشقائق النعمان، فكانت عندنا غذاء الكرامة والصلابة، وجمعتنا كذلك، مضافات الحي والعشيرة، فكانت مُرْضِعاتٌ تُعلِي القيم الأصيلة، من بِرِّ الأهل وقواعد التربية الوطنية.

في حين لم تتمكن اليوم أن تجمع الصبية والشباب على الوعي والوحدة الوطنية والمنعة، لا المدارس الحديثة ولا الجامعات، في شكلها الحالي، ولا التواصل الإلكتروني، بل الغلبة لثقافة الهامبورغر، والقيل والقال الهابط، على المواقع الإلكترونية، فنشاهد اليوم في مجتمعات عربية، هي جزر متباعدة، فيها نهج التبذير بارزاً عند القلّة المنعَّمة المتعلمة، نعم هي متعلمة فقط – لا مثقفة! وسط بيئة عوز وحاجة .وأصبح للفئة القادرة تلك مدارس خاصة، منفلت فيها عقال الضبط والربط والتثقيف بالتراث والتدبير: فيتشاحن فيها ويتشاتم الطلبة – حملة الموبايل ـ بالإنكليزية الركيكة، ويتقاذفون حبات الكُبَّة، نزقاً وترفاً وسوء تربية، من دون رادع من احترام للرزق، أو هيبة معلم! وامتدّ هذا النهج إلى الشارع سلوكا في التعامل وقيادة السيارات، ودخلت على مجتمعاتنا سلوكيات وإنفاق مذموم، إذ نهج بعض الموسرين، إقامة الأعراس الباذخة في الخارج، في قبرص وإسطنبول وميلانو ولندن، وبذلك يحجبون النفع عن الفنادق المحلية والتشغيل، بدعوى أنها أقل كلفة في الخارج – إنه ادعاء وسوء تقدير وضعف مسؤولية مجتمعية، بل إنهم يثّاقلون عن التبرع للمؤسسات الخيرية والمحتاجين إلاّ باليسير- إنه فيروس لحالة مرضية.

كما ان كل مظهر ومسلك ذكرته هنا هو حقاً، كما وصفه من سبقونا بالعلم والتجربة، خلية نائمة للعدو والخصم، في كل بيت وموقع في وطننا. ولا تأتي المناعة إلاّ بالإصلاح الداخلي البيتي والمؤسسي، والأخذ بالتربية الوطنية، ألا يكفينا أن الخارج يصرِّح عن أطماعة بشفافية غير معهودة، ويترجم أقواله قضماً مستمرا متصاعداً، في أرضنا في فلسطين (ينفِّذ عملياً بنوداً من صفعة القرن) والشام والعراق وفي نفطنا وثرواتنا؟ ألم يحن الوقت لصحوة على هذا التيه في صحرائنا، وما وصلنا اليه من تقاتُلٍ وتفتتٍ جغرافي، وطائفية مقيتة، والتحالف مع أو السكوت على، الغزو العسكري من الخارج، أو بإلهائنا وتبديل العداء الممنهج على أرض فلسطين بآخر بعضنا جزء منه – إسلاميًا أو عربياً؟ أشعر بالحزن، عمّا يمكن أن يقوله فينا، الأهل الصامدون في فلسطين المحتلة؟ هل ما بنا من حالٍ ونهج، يدعم صمودهم ووحدتهم، أو يرفع منسوب الأمل عندهم؟ أم يحبطهم فريسة للوضع القائم المُعْدي؟ اللهم إن الحال لا يخفى عليك. وصدق من أشار الى الطريق وسبقنا: فما دامت الأمة العربية والإسلامية لا تستطيع أو لا تقدر أو لا تريد أن تواجه، أو تحارب المعتدين والأعداء عسكرياً، أليس من باب المنعة والطُهر أن تعلن تمتين قدرات الدفاع عندها وفي كل بيت، بالتربية الوطنية – فهذا هو الجهاد الأكبر والطريق المُنْجي والأسلم.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات