اغلاق

ديوان المحاسبة بين فائض الصلاحيات ونقصها ..


استقطب تقرير ديوان المحاسبة للعام 2018 كما في السنة الماضية اهتماماً واسعاً من كافة الأوساط ، وغدا حديث الساعة ومادة دسمة للمقالات والتحليلات، ليس بسبب إختلاف المحتوى والمضمون عن تقارير السنوات السابقة، وإنما بسبب المبادرة بنشر وتعميم مضمون التقرير في زمن انتشار وسطوة وسائل التواصل الإجتماعي إضافة إلى الجدية غير المسبوقة التي أولتها الحكومة لمتابعة ملاحظات وتوصيات التقرير، مما استنفر غالبية الوزارات والمؤسسات الحكومية التي تناولها التقرير للتبرؤ من الملاحظات التي أوردها التقرير أو للرد عليها أو تفنيدها أو التأكيد بأن هذه الملاحظات قد تمت تسويتها بعيد استلامها من الديوان.

تباينت تقييمات المحللين للملاحظات التي أوردها التقرير وخاصة ذات الأثر المالي المباشر على الخزينة سواء ما تعلق بالهدر أو التنفع الشخصي، فمن قائل أن هذه الملاحظات تعكس درجة إنتشار وتفشي الفساد وغياب الرقابة في المعاملات الحكومية، متناسين أن هذه الملاحظات ما كانت لتظهر ويتم اكتشافها لولا وجود مثل هذه الرقابة، إلى قائل إلى أن مثل هذه الملاحظات وإن بدت كبيرة العدد لا تشكل سوى نسبة بسيطة من عشرات إن لم يكن مئات الآلاف من المعاملات الحكومية التي يتم تنفيذها سنوياً، إضافة إلى أن بعض هذه الملاحظات تعكس وجهة نظر أحادية للديوان في مسألة تحتمل قدراً معيناً من الإجتهاد ولا تعني بالضرورة وجود مخالفة للأنظمة والتعليمات.

يلفت الإنتباه وسط التحليلات والتقييمات المختلفة، الأصوات التي ارتفعت مطالبة بزيادة الصلاحيات الممنوحة لديوان المحاسبة كمؤسسة وكوادر سبيلاً للحد من حجم ومقدار المخالفات التي يتم تسجيلها سنوياً في الوزارات والمؤسسات الحكومية، ونرى أن ذلك يعكس جهلاً أو تجاهلاً لحجم النفوذ وطبيعة الدور الذي يقوم به مندوبو الديوان في الدوائر الحكومية والذي يتجاوز في حالات متعددة دور المراقب إلى دور الشريك في إتخاذ القرار لا بل "الوصي" على إتخاذ القرار في كثير من الحالات، لدرجة أن بعض المسؤولين ومن مستويات إدارية مختلفة لا يتردد بالقيام بصورة مباشرة أو غير مباشرة في استمزاج مندوب الديوان قبل الشروع في إتخاذ أو تنفيذ بعض القرارات أو الإجراءات، لا بل أن مسؤولين كثر يلجأون إلى تبني البدائل "الأسلم" ويبتعدون عن الإجتهاد أو الإبتكار قدر الإمكان خشية أن يسجل ذلك كمخالفة عليهم يتم تضمينها في تقرير الديوان السنوي الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، في حقبة أصبح فيها عدم ورود إسم الوزارة أو المؤسسة أو الدائرة الحكومية في تقرير ديوان المحاسبة هو غاية المراد من رب العباد، وليس درجة إنجاز أو تحقيق الأهداف المرسومة لهذه الوزارة أو المؤسسة أو الدائرة.....

إن منهجية عمل ديوان المحاسبة الحالية مناسبة تماماً وتتمثل في الإبتعاد قدر الإمكان عن المشاركة في صنع القرارات أو تنفيذ الإجراءات والتي توجها إنتقال الديوان من أسلوب التدقيق المسبق آلى التدقيق اللاحق، وإن منح الديوان ومندوبيه لدى الوزارات والدوائر الحكومية مزيداً من الصلاحيات سيؤدي إلى تغول لا مبرر له وتداخل في الأدوار، وسيؤدي إلى تباطؤ في الإنجاز وإلى المس بصلاحيات واستقلالية أصحاب القرارات والتي بدونها لا يجوز أصلاً محاسبتهم أو مسائلتهم عن القرارات والإجراءات التي يتخذونها.

إن الاستمرار في نهج الشفافية المتمثل في نشر مضمون تقارير ديوان المحاسبة إضافة إلى الجدية والسرعة في متابعة تصويب ملاحظات الديوان، هي الضمان الأمثل لتحسين الأداء الحكومي وخاصة ما يتعلق بالجانب المالي وهو الأكثر حساسية وتأثيراً من بين الجوانب المختلفة التي تغطيها تقارير الديوان، ويجدر بالحكومة تعزيزا للجدية والمصداقية في هذا المجال أن تصدر تقرير متابعة عن الإجراءات التي تم اتخاذها فعلاً على أرض الواقع بخصوص ملاحظات تقرير ديوان المحاسبة السابق عن عام 2017، وقد مر عام كامل على نشره وعلى تشكيل لجنة رفيعة المستوى لمتابعة تنفيذ ما ورد فيه.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات