اغلاق

الناطور .. !


الناطور في مفهومه التقليدي, هو من يملك مفتاح كَرْم العنب, ويحمل بيده اليسرى قنوة من العيار الثقيل,..كنا صغارا نخاف من الناطور, وقد تأسس فينا هذا الخوف, نتيجة للقصص التي كانت تُقّص علينا من اجدادنا وجداتنا الكبار رحمهم الله, والتي كانت تدور حول كيف ان ناطور كَرْم العنب هزم الاسد, ولحق النمر, وطارد الضباع, وأسر مجموعة من الذئاب, ثم كيف ان الناطور القى القبض على لصوص عناقيد العنب, وكيف كتّفهم هذا الناطور بالحبال, وكيف هوت قنوة الناطور على رؤوس اللصوص من جميع الجهات, كل ذلك من اجل ان لا يقترب احد منا من كَرْوم العنب وعناقيدها, فلكل كَرْم عنب ناطور يقظ لا يعرف النوم, هكذا زرعوا فينا الخوف ونحن صغار, حتى اصبحنا نخاف من حلاوة عناقيد العنب السوداء المضيئة!

الناطور, اقصد ناطور كَرْم العنب كان يعشق الكَرْوم وينتمي اليها ويبيتُ فيها ليلا ويعرف عنها اكثر ما يعرف عن نفسه, وكان من اجل كَرْم العنب يبقى دائما في حالة من التّعب والكدّ والشقّاء والعنّاء الشديدين يواصل الليل بالنهار, كيف لا وكان يحرس ثمار عناقيد العنب الملونة.. الخضراء والسوداء والحمراء المغرية اقول المغرية, وكان امينا بكل ما تحمله هذه الكلمة من ابعاد حتى على عناقيد الزبيب المتساقطة في اخر الموسم, تلك العناقيد المحافظة على لونها بعد ان جفّت وأخذت بياتا شتويا طويلا, لتعطي طعما جديدا للحياة.

لقد غاب عنا نواطير الكَرْوم, وغاب عنا طعم العنب البلدي ولونها الاخضر, ولم نعد قادرين على تسلق السناسل المحيطة بتلك الكَروْم, ولم تعد تنهال خلفنا حجارتها التي تحمل تاريخ الماضي, وبات مفتاح الكَرْم في متاحفنا حكاية للأجيال الحالية, وغادرت قنوة ناطور الكَرْم على استحياء وركدت حطبا في موقد العظماء من القوم, حتى اماكن الكَرْوم اصبحت ملاهي ليلية, او اماكن لاصطفاف السيارات الفاخرة, او صالات افراح حمراء, او بركسات لدجاج المزارع, او كرفانات لعمال المصانع..لقد ولّت ايام الكَرْوم والنواطير وتبدّلت تلك الايام حتى اصبحنا امام بزنس (business) جديد تحت مسمى شركات (الامن والحماية) مفاتيحهم الكترونية, وقنواتهم جمع قنوة الكترونية, ولهجاتهم الكترونية.

غاب الناطور ودخل الناس المدينة أفواجا,..فاحمد بن خالد ذهب الى البنك! ومحمود بن محمود ذهب الى المول! وسوسن بنت سوسن ذهبت الى محل المجوهرات! وخالد بن خالد دخل على (ميزانية) ابيه! وعبلة بنت عبلة غزت جيوب معطف امها! ..غاب الناطور وانهالت علينا عناقيد الغضب, كنا في الامس بناطور واحد لكَرْوم العنب ولكل الناس, اما اليوم فنحن بحاجة الى ناطور داخل كل واحد منا.., للأسف الشديد اليوم كل بنك في وطننا يحتاج الى ناطور, وكل مول في وطننا يحتاج الى ناطور, وكل محل مجوهرات في وطننا يحتاج الى ناطور, وكل(ميزانية) اب في وطننا تحتاج الى ناطور, ولكل جيبة في معطف كل ام في وطننا تحتاج الى ناطور, واكثر من ذلك فان الناطور هذه الايام في وطننا يحتاج الى ناطور عليه.. اليس كذلك؟

في ليالي الشتاء الطويلة الدافئة, قد نتذكر كلمات اغنية قديمة كتبها الشاعر عساف الصباح عام 1932م, ذلك الشاعر الذي ارتبط اسمه منذ الطفولة بالأرض, ارض برقين بمحافظة جنين, حيث قال هذا العساف رحمه الله: (يا أبو عبد الفتاح, طاح العنب طاح, نادي عَ الناطور, يعطينا المفتاح).

ويبقى السؤال عالقا دون اجابة, اين ذهب (الناطور)؟

لم يبقى من عناقيد العنب البلدي إِلَّا حواملها الرفيعة (السويقات).



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات