اغلاق

التنمية وجدليات الحرية والأصالة 


مع بدايات عهود الاستقلال الذي حصلت عليه الدول العربية والاسلامية، بدأت الدوائر الأكاديمية الغربية في تطوير حقل التنمية، بهدف الترويج للمفاهيم والنظريات الغربية في البناء التنموي والاقتصادي. وخلاصة هذه المفاهيم أن تحقيق التنمية في الدول حديثة الاستقلال لا يمكن أن يتأتى إلا إذا حذت هذه البلدان حذو الدول الغربية واتبعت نموذجها التنموي، أي أن شرط التنمية الوحيد هو الالتزام بالوصفات الغربية في مختلف مشاريع التنمية. 

وبهذا تحاول الدول الغربية الابقاء على الدول النامية على حالها إلى الأبد، من خلال اعتمادها في تنمية هياكل الدولة ومؤسساتها المختلفة على النموذج التنموي الغربي، مما يربط مصير هذه العملية بما تمنحه إياها الدول الغربية، هذا المنح الذي يأتي بالقدر الذي يحافظ على تبعيتها الاقتصادية والحاقها الحضاري بها. 

وفي الاطار العربي والاسلامي بدأت النخب السياسية والاقتصادية بممارسة هذه العملية، واستعارت نفس الأدوات والمعايير والمؤشرات المستخدمة في النموذج التنموي الغربي، فبدت التنمية وكأنها عملية ميكانيكية بحتة، وتجلت هذه الحقيقة في مؤشرات التنمية المستخدمة حتى أضحت المتغيرات الكمية هي المقياس من قبيل نسبة سكان المدن للريف، وعدد المدن التي يزيد عدد سكانها على حد معين، ونسبة العمال الصناعيين للعدد الاجمالي للقوى العاملة، ومستوى دخل الفرد، وغيرها. 

وكدليل على عدم فعالية المؤشرات المستعملة في قياس عملية التنمية تمكن بعض هذه الدول، من ابتياع نتائج التنمية ومظاهر التطور الاقتصادي، وبهذا أصبحت هذه الدول اعتمادا على المؤشرات الكمية السالفة عصرية ومتطورة، أو على الأقل في طريقها لتصبح عصرية وحديثة، ولكن إذا أخذنا جوهر العملية التنموية نجد أن غالبية هذه الدول ما زالت تعيش في العالم النامي. 

وتأسيسا على ذلك يمكن القول أن عملية التنمية السليمة لا تبدأ بالمظاهر والمؤشرات الكمية، وانما تبدأ بالجوهر وهو الانسان، فبدون أن يتطور الانسان في نظرته وثقافته وعقليته تبقى عملية التنمية ظاهرية مزيفة لا تعكس الواقع بأمانة. وهذا يعني أن البداية الحقيقية لمشروع التنمية تعتمد ابتداء على تفعيل القدرات الذاتية للمواطنين وتوظيفها بما يخدم التطلعات التنموية للمجتمع. 

إن إي قفزة في المشروعات المادية أو الاقتصادية البحتة، دون أن يسبقها تطوير في العملية التعليمية والمستوى الثقافي والحضاري، ستكون غير محسوبة النتائج، لذلك نجد أن المشروعات التنموية التي تتبناها بعض الدول تسبب آثارا اجتماعية وثقافية خطيرة، كالتفكك الأسري، والمزيد من الاغتراب النفسي والاجتماعي، ذلك أن هذه الدول أقدمت على تأسيس بعض المشروعات دون العناية بالمكونات الثقافية والحضارية والتعليمية للمجتمع. فالتنمية في جوهرها هي البحث عن كيفيات مناسبة للتطور الثقافي والاجتماعي والاقتصادي، ومساءلة السائد وصولا إلى الرؤية والبرنامج المناسب والمنسجم وخصوصيات اللحظة والواقع المجتمعي. 

فلا تنمية شاملة ومستدامة من دون فك القيود أمام المواهب والكفاءات الوطنية للمشاركة في هذا المشروع المفتوح على كل التعبيرات والامكانات. ولا يمكن أن ننجز هذا من دون الديمقراطية والاصلاحات السياسية النوعية التي تشرك الجميع في مشروع البناء والعمران. 

ولا شك أن تقييد الحريات، والتضييق على القوى الوطنية، يساهم بشكل كبير في ضياع الاستقرار السياسي والاجتماعي. والاستقرار هو شرط التنمية، ولا استقرار من دون الحرية والديمقراطية، لذلك كله فإن شرط التنمية توفر الحريات العامة، وتوفر الظروف الذاتية والموضوعية لكي تمارس كل قوى الوطن دورها ووظيفتها في مشروعات البناء والنهوض، والتنمية الشاملة بحاجة إلى جرعات كبيرة من الحرية، حتى يتم تقويم الاعوجاج، ومراقبة الأداء، ومحاسبة المقصرين، وتحفيز الهمم صوب التطلعات العليا، وكفاح دائم نحو اجتثاث أسباب الضعف والتراجع. 

فالمشروع السياسي الذي لا يثق بخيارات شعبه، ولا يعنى بمضامين الديمقراطية السياسية والاجتماعية، فإن مآله النهائي، هو ممارسة كل أشكال الهيمنة والعنف، لاستمرار حكمه، والاستبداد والتبعية لا يوجد تنمية، وانما ينشئ نموا مشوها مرتبطا على نحو هيكلي بمراكز قوى دولية تزيد من تعميق التبعية والاغتراب. 

ولا يمكن أن تدب الحياة في مشروعات التنمية ومؤسسات الفعل الاقتصادي من دون اصلاح سياسي، يعيد الاعتبار للقواعد الاجتماعية الواسعة، عبر توسيع دائرة مشاركتها، واحترام وصيانة حقوقها، ومأسسة الادارة السياسية، بحيث لا تكون حكرا على فئة أو نخبة. 

ويبدأ الاصلاح السياسي بمحاربة كل أشكال الفساد السياسي والاداري والاقتصادي، وتوسيع القاعدة الاجتماعية للسلطة السياسية، وتطوير أطر المشاركة السياسية ومستوياتها، وتنظيم العلاقة بين السلطة السياسية والمجتمع بمؤسساته المدنية والسياسية والثقافية والاقتصادية. مما سيعزز من ثقة المجتمع بسلطته السياسية، ويسمح لجميع القوى بالمشاركة الفاعلة في البناء والتطوير. 

ومن هنا فإن التحديث الاقتصادي السطحي لا يفضي إلى ديمقراطية، بل يعمق الفروقات، ويجذر التفاوت، كما أن الديمقراطية الشكلية والفوقية لا تفضي إلى تنمية موصولة، بل تزيد التشوهات والتجاذبات والمساجلات في الدوائر المغلقة والمتحكمة ، كما أنها لا تنشئ تفاعلا خلاقا بين المجتمع بقواه ومؤسساته ومشروعات التنمية والتطوير الاقتصادي والاجتماعي. وبالتالي فإن العلاقة بين التنمية والديمقراطية علاقة جدلية ومتشابكة، وكل طرف يحتاج إلى الطرف الآخر ويغذيه، ولا يمكن أن تنجز انطلاقة حضارية جدية من دونهما معا. ومسألة تأجيل الديمقراطية تحت مبرر عدم استعداد الشعوب لمتطلباتها، أو إعطاء الأولوية لأي مشروع اقتصادي أو اجتماعي آخرـ سيفاقم من الأزمات والاحتقانات السياسية والاجتماعية.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات