اغلاق

في ذكرى الهجوم الياباني على قاعدة بيرل هاربر الأمريكية


في حدث مباغت ومفجع تعاظمت فيه روح الثأر وجسد سلوك الجراءة والانتقام وغير مسار الإحداث و مجرى التاريخ وقسم ظهر القوة العسكرية الأمريكية ومرغ انفها في تراب المهانة والذلة والهزيمة واجبرها مكرهة على دخول الحرب العالمية الثانية بشكل رسمي كطرف رئيس في الصراع حين اغارت اكثر من 350 طائرة حربية يابانية في السابعة و النصف من صباح يوم 7 / 12 / 1941 دون سابق انذار على مقر قوات الأسطول الأمريكي في ميناء بيرل هاربر في جزر الهاواي بالمحيط الهاديء حيث كانت أقوى قاعدة امريكية في العالم والتي عرفت بـ " العملية Z " حيث كانت الرؤية و الأحوال الجوية مثالية و شعر الطيارون اليابانيون بأنهم أخذوا عدوهم على حين غرة و كانت المفاجأة تامة.

وفي صوت يشبه زمجرة الرعد انفجرت البارجة ( أيرزونا ) بعد أن أصابتها قنابل الطائرات اليابانية و تناثر حطامها على أجزاء المرفأ ثم غرفت فكانت هذه البداية وتلاها قصفت السفينة يو أس أس أوكلاهوما بأكثر من عشرة صواريخ حطمت هيكلها وحجز بداحلها اكثر من 400 بحار امريكي وتحولت البارجة الأميركية رو إلى كتلةٍ من اللهب والرماد كما دمرت المقاتلات اليابانية محطة كانو الجوية للقوات البحرية الأميركية وبعض والطائرات وحقل بيلوز واستهدفت المطارات في ميدان هيكام وويلر والخوار وايوا وثكنات شوفيلد وعدد من الأهداف المدنية الاخرى وقد أصيبت كل الأهداف العسكرية حيث لم يكن الأمريكيون مستعدون لهذا الهجوم لأنهم كانوا قد عقدوا معاهدت سلام مع اليابان التي لم تلتزم بها أو تعرها أي اهتمام حيث بعثت طوكيو في 6/12/1941 رسالةً مطولة إلى سفارتها في واشنطن تعلمها بانهيار المفاوضات وإعلان الحرب على أميركا.

اعتمد اليابانيون في خططهم وإستراتيجياتهم العسكرية المدمرة بقيادة القائد العسكري العام الأكثر موهبةً ودهاء في اليابان ( الأدميرال إيزوروكو ياماموتو ) وقائد الأسطول ( الأميرال شويتشي ناجومو ) على حشد كامل القوة الجوية والبحرية والاستفادة من عنصري المفاجأة والسرعة في الوصول للأهداف المنتخبة بحيث تضرب أولاً و بلا هوادة وتشل قدرة العدو على استخدام أسلحته إضافة إلى تدشين العديد من التحصينات والخطوط الدفاعية حول المناطق المحتلة وتصميم قذائف طوربيدية خاصة تسقط وتنطلق بقوة في مياهٍ الميناء الضحلة والتدرب على التأقلم من الظروف التي توفرها الغيوم والإمطار والمنخفضات الجوية كغطاء ساتر لحركة إبحار الغواصات والسفن الحربية وحاملات الطائرات عبر آلاف الأميال في المحيط ( ست حاملات طائرات على متنها 350 طائرةً مقاتلة ) وتعمد المسير في طرقٍ تجنبهم التعرض لمراقبةِ أي سفنٍ أو طائراتٍ أجنبية وإجراء تمريناتٍ مكثفة بالتحليق على علوٍ منخفض وإنزال القذائف في أماكن وظروف مشابهة قي جزيرة يابانية معزولة.

لقد استوحى اليابانيون فكرة الهجوم على ميناء بيرل هاربر من الهجوم المدمر الذي شنته الطائراتٌ البريطانية القاذفةٌ للطوربيدات ضد الأسطول الإيطالي في ميناء تارانتو انطلاقاً من حاملة الطائرات البريطانية والذي جاء بعد عام واحد منه حيث كان ياماموتو مقتنعاً بضرورة القضاء على الأسطول الأميركي في بيرل هاربر أولاً قبل الاستيلاء على جنوب شرق آسيا للوصول إلى المواد الأولية من خامات الحديد والنفط والأرز والسكر نتيجة أزمتها الاقتصادية وحربها الطويلة مع الصين التي كانت تدعما امريكا انذاك.

نفذت القاذفات المنقضة والطائرات المطاردة المقاتلة و الطائرات الحاملة للطوربيدات اليابانية الهجوم الصاعق على مرحلتين بين كل منهما 45 دقيقة حيث حققت الموجة الأولى من الهجوم نصراً مذهلاً وإرباكاً فورياً لقوات وعناصر الأسطول الأميركي نتيجة لجراءة الطيارين والكم الكبير من الصواريخ المتطورة التي أحدثت انفجارات عنيفة ومدمرة في حين ضربت الموجة الثانية جميع القواعد والمحطات العسكرية المنتشرة على الجزيرة وقد ألح ( القائد العسكري ميتسو فوتشيدا ) على إطلاق الموجة الثالثة من الهجوم و لكن في الساعة الواحدة و النصف ظهراً قرر قائد الأسطول الأميرال ناجومو إلغاء الهجوم و سحب الأسطول الياباني لأنه لم يكن واثقاً من موقع حاملات الطائرات الأميركية و لم يشأ المخاطرة بهجوم ثالث قد يكون فاشل وقد استمر الهجوم 110 دقيقة من الساعة 7,55 حتى الساعة 9,45 وبذلك كل شئ كان قد انتهى.

اختار اليابانيين خصيصا للمهاجمة يوم الاحد لأنهم اعتقدوا بان الأمريكيين سيكون أكثر استرخاء بحكم انه يوم عطلة نهاية الاسبوع ولن يكونوا في حالة تأهب وقد كان العديد من الجنود الأمريكيين لا يزالون بملابس النوم او يتناولون وجبة الإفطار في قاعات الطعام عندما بدأ الهجوم.

لقد حقق الهجوم المفاجئ والمكثف نصرا ساحقاً و نجحت الخطة اليابانية نجاحاً كلياً حيث فاقت الهجمات كل توقعاتهم واستطاع اليابانيون أن يتخلصوا بخطة محكمة جريئة من قسم كبير من القوات البحرية و الجوية الأميركية في الشرق الأقصى وقد تحولت قاعدة بيرل هاربر إلى أكوام من الخرائب المحترقة والتهمت النيران المنشآت العسكرية و لم يكن أمام الجيش الأميركي سوى الرد العشوائي في غياب أي خطة عمل عسكرية منظمة.

و قد اعلن رئيس الولايات المتحدة فرانكلين روزفلت في حينه ان يوم 7 ديسمبر 1941 سيكون هو التاريخ الذي سيظل عارا الى الابد على البلاد وبعدها اعلنت الولايات المتحدة الحرب على اليابان في 8 / 12 / 1941 حيث أصبحت بيرل هاربر صرخة حشد معنوية بالنسبة لأمريكا خلال الحرب العالمية الثانية.

حقا انها كانت كابوسا مرعبا وهزيمةُ كارثية مدمرة للبحرية الأميركية التي خسرت ثلاث بوارج من بينها كاليفورنيا و نيفادا و ست طرادات و خمسة غواصات و 188 طائرة وإغرقت و أتلفت 19 سفينة وبارجة حربية وأصيبت مدمرتان بخسائر جسيمة وقتل 2335 جنديا أمريكيا واصيب 1143 وسقط عدد كبير من المدنيين بين مفقود وجريح وخسر اليابانيين 65 جندي وأسير واحد واغرقت خمس سفن ودمرت تسعة وعشرين طائرة وقد صاحب الهجوم شعور مرعب بالخوف و القلق شلت حركة الجيش الأميركي و لم يكن أمامهم أي فرصة لردع الاجتياح وكانت تلك أسوأ كارثة ضربت القوات البحرية الأميركية.

وعلى إثر ذلك الهجوم استيقظ المارد الأمريكي العملاق الذي كان نائما من غفوته وقرر أن يثأر لكرامته من تلك الجريمة فدخل الحرب العالمية الثانية إلى جانب الحلفاء ضد دول المحور والتي من بينها اليابان بعد أن كان رافضا ذلك قبل هذا الهجوم حيث كانت معركة بيرل هاربر القشه التي قصمت ظهر البعير وقد كان من المتوقع أن يقوم الأمريكان بضربة معاكسة ردا على ما حدث حين فاجئهم اليابانيين وبعد 6 اشهر رد الاميركيون عليها في ميدوي مما فتح الطريق لاحتلال جزيرة اوكيناوا والتي ادت الة وقوع خسائر جسيمه في الطرفين.

يذكر ان حلم مهاجمة قاعدة بيرل هاربر أصبح حقيقة بالنسبة لليابانيين بفضل جاسوس ياباني يدعى تاكيو يوشيكاوا قاد مهمة محفوفة بالمخاطر منتحلاً هوية مزورة لتزويد بلاده بمعلومات حساسة عن الأميركيين وقد ألقت السلطات الأميركية القبض عليه إلا أنها فشلت في إدانته بالتجسس بسبب قيامه بإتلاف جميع الوثائق التي كانت بحوزته ليعود بعدها الى وطنه ضمن عملية تبادل دبلوماسيين بين الأميركيين واليابانيين ويصبح بطلا زطنيا.

وبأوامر مباشرة من الرئيس هاري ترومان في يومي 6 و 9 / 8/ 1945 ومع نهاية الحرب العالمية الثانية وفي إحدى أكثر العمليات العسكرية وحشية في التاريخ ألقت الولايات المتحدة قنبلتين ذريتين الاولى ( ليتل بوي ) على مدينة هيروشيما والثانية ( وفات مان ) على ناجازاكي بسبب رفض اليابان تنفيذ إعلان مؤتمر بوتسدام بالاستسلام الكامل بدون أي شروط ما أدى إلى اساسلامها ومقتل 140 ألف شخص في هيروشيما و80 ألف شخص في ناجازاكي هذا عدا عمن توفوا لاحقا متأثرين بالجروح والحروق والإشعاعات الذرية التي أصابتهم وعقبها كانت نهاية المواجهة بين الولايات المتحدة واليابان وقد أقيم نصب تذكاري في نفس المكان عند جزر هونولولو يخلد البحارة الأمريكيين ضحايا هجمات بيرل هاربر وليبقى شاهدا على المصائب التي تجلبها الحروب الفتاكة للإنسانية.

ومن المهم هنا ان تستحضر مقولة ( القائد الألماني فون مولتكه ) إن كل حرب حتى تلك المكللة بابهى حلل النصر هي كارثة للشعب لأن ربح الأرض والمال لا يعوضان عن حياة الرجال ولأنها لا تبدل الحال او المصيبة والبلوى للمصابين والثكلى والمجوعين وعلى امريكا في هذه الذكرى المفجعة مراجعة سياسات الاستقواء والمتغطرسة والقهر التي تمارسها على كثير الشعوب والدول واخذ العبرة حتى لا يعيد التاريخ نفسه وتتكرر الفاجعة والانتقام ربما هذه المرة في الخليج حيث القواعد والتجمعات العسكرية قريبة والبوارج والسفن وحاملات الطائرات على مرمى حجر.

mahdimubarak@gmail.com



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات