اغلاق

عندما يكون الجوع خياراً ..


في غمرة "المعارك" المحتمدة حالياً حول أعداد الفقراء في الأردن بين من يؤكد أنهم بالآلاف فقط وبين من يقسم أغلظ الأيمان أنهم عدة ملايين، تستوقفك لا بل تستفزك أقوال ومزاعم يسوقها الكثيرون في كتابات ومقالات ومنشورات في الصحف والمواقع الإلكترونية ومواقع التواصل الإجتماعي لإثبات أن الواقع شديد القتامة وأن معدلات الفقر والبطالة قد أضحت فلكية وغير مسبوقة، فيقولون مثلاً أن أعداداً متنامية من الأسر لا تمتلك حتى ثمن ربطة من الخبز، وأن غالبية الأسر لا تحظى إلا بوجبة واحدة من الطعام يومياً، وأن حاويات النفايات قد غدت مقصداً للجائعين وأصحاب البطون والامعاء الخاوية ....

بداية نؤكد ان أعداد الفقراء ودرجة الفقر لديهم تحددها دراسات علمية متخصصة وفق منهجيات مقرة ومعتمدة دولياً، ولا يجوز أن تحكمها الإنطباعات العامة أو الإستنتاجات السطحية او المقالات الشعبوية، وليس لنا في هذا المقام أن نضع أنفسنا في موقع الدفاع عن دراسات وأرقام دائرة الإحصاءات العامة فهي الأقدر على ذلك، وإن خانها التعبير مؤخراً في حكاية الثمانية آلاف فقير، فالتصريحات الصحفية في قضية حساسة كهذه يجب ان تكون مدروسة ومعدة بعناية، فاستعجال الرد بحقائق مجتزأة قد يفضي إلى عكس المقصود تماماً ...

تسقط الأسر في مستنقع الجوع – وهو غير الفقر بالتأكيد – عندما تضيق أسباب الرزق لا بل تنعدم أمام طالبيه وهذا يحدث عادة في الحروب والكوارث وحالات الحصار والجفاف الشديد، وذلك مفهوم ومبرر وفيه من الشواهد والامثلة الكثير، أما أن يصبح الجوع "ظاهرة" كما يقولون في بلد كالأردن يوفر فرص عمل لمئات الآلاف من الوافدين، فهذا قول يصعب فهمه أو قبوله أو تفسيره، صحيح أن كثيراً من المهن التي يعمل بها الوافدون هي مهن شاقة متعبة تتطلب جلداً وجهداً كبيراً، ولكن ذلك ليس مبرراً لأبناء البلد وخاصة "الجائعين" منهم للعزوف عنها إلا إذا كانت لديهم بدائل أفضل.

يوفر قطاعا الإنشاءات والزراعة وقطاعات خدمية أخرى الآلاف من فرص العمل التي يقبل عليها الوافدون لإرتفاع مردودها المالي، ويحجم عنها أبناء البلد ... فلم تعد تحرث أرضَنا عجولُها وإنما عجول أخرى من خارج الحدود .... والسواعد التي طالما تغنينا بها وادخرناها لبناء الوطن بيوتاً وطرقاً ومصانع .... تراخت وتنحت جانباً راضية بثنائية الجوع والراحة أمام سواعد وزنود قوية صلبة وفدت إلينا من بلاد بعيدة لتكسب رزقها بعز وكرامة .....

نعم يوجد فقر في الأردن كما هو في كل بلاد الدنيا .... أما الجوع فقضية أخرى ولا نظن أن اعداد من سقطوا في براثنه تتجاوز الآلاف القليلة التي اعلنت عنها دائرة الإحصاءات العامة مؤخراً، وهؤلاء تتكفل بهم مؤسسات الدولة والمجتمع، فنحن شعب متراحم لا يقبل الواحد منا أن ينام جاره جائعاً وهو شبعان، أما الآخرون الذين يعتصمون ويحتجون هنا وهناك ويرفعون لافتات الشكوى من الجوع الكافر، فنقول لهم لقد أخطأتم المكان يا سادة فمزارع الوطن وحقوله وورشات البناء والإعمار فيه بإنتظاركم ... ففيها فرص عمل شريفة سوف تقيكم غائلة الحاجة والجوع وتوفر لكم دخولاً وعوائد لا تقل بل تفوق ما توفره الوظيفة الحكومية ....

لا ننكر الضائقة الإقتصادية والظروف الصعبة التي نكتوي جميعاً بآثارها السلبية، ولا نبرىء الحكومة من العجز والفشل المستمر في تحريك عجلة الاقتصاد وخلق نمو حقيقي فهو السبيل الوحيد لمواجهة مشاكل الفقر والبطالة .... هذه المشاكل التي نساهم جميعاً في مفاقمتها بالعزوف عن فرص العمل المتاحة وتركها للوافدين .....



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات