اغلاق

جواز سفر أحمر ..


ثلاثة أيام بلياليها وأنا أنتظر .... حواسي الخمس انصهرت كلها وغدت حاسة سمع جبارة فائقة الحساسية تلتقط حتى دبيب النمل ... أوقفت كافة المكالمات الصادرة والواردة بإنتظار مكالمة دولته ......لم يرن الهاتف .... ولم يفعلها دولة الرئيس ....

لا أدري لماذا انتظرت هاتف دولته هذه المرة .... فالتعديلات الوزارية تكاد تكون فصلية على مدار العام .... لم يسبق أن أثار اهتمامي أي منها .... لماذا اكتشفت فجأة أنني ربما أكون الأحق بالمنصب الوزاري من أي كان .... سنوات طويلة من الخدمة الحكومية .... وكثيراً من المعارف والمهارات ... حتى الطباعة باللغتين بسرعة قياسية والرد المهذب على المكالمات الهاتفية والإلمام بقواعد البروتوكول ... شكلي مقبول نوعاً ما ..... تقاريري السنوية بيضاء ناصعة من غير سوء .... لا إنذار أو تنبيه ولا حتى لفت نظر.... أحفظ عن ظهر قلب نظام الخدمة المدنية ونظام اللوازم العامة ونظام الإنتقال والسفر إضافة إلى معلقة إمرئ القيس ولامية الشنفرى وقصائد عرار ونشيد موطني .... هل هذا كله لا يكفي ....؟؟؟؟!!!!

كم أنا عاتب على دولة الرئيس حتى معرفتي القديمة به لم تشفع لي .... أتراه نسي أننا التقينا ذات مرة قبل ثلاثة عقود .... لا أظن فالرجل حاد الذكاء قوي الذاكرة ..... ما السبب إذن يا ترى .... هل نما إلى علمه أنني حاد الطباع بعض الشيء .... أم أن أحدهم قد ألمّح إليه زوراً أن بعضاً مما أكتب لا يخلو من نكهة المشاكسة ..... أمعقول هذا ... ألم يتم يوماً توزير من وقف في الساحات هاتفاً ضد الحكومة ....!!!!

سامحه الله دولة الرئيس ..... كم كنت أحلم أن أحمل لقب "معالي" وأتباهى به أمام أهلي وعشيرتي ولو لساعة واحدة فقط .... و "اوخذ بثاري" من أمين عام الوزارة الذي استكثر علي ذات يوم أن رأى اسمي في كتاب ورد للوزارة مسبوقاً بلقب "عطوفة" فقال مستنكراً وهو يتصنع المزاح والفكاهة "شو يا بيك صاير عطوفة واحنا مش عارفين ...".

لست غاضباً من الحكومة ...... أنا مجرد عاتب فقط ... فلم أخرج من خدمتي الطويلة فيها خالي الوفاض ..... فراتبي التقاعدي جيد كما يراه كثيرون .... وهو يغطي مع راتبي من عملي الحالي احتياجاتي واحتياجات أسرتي الأساسية .... والأهم من ذلك كله أنني حاصل على جواز سفر أحمر .... نعم جواز سفر أحمر صرفته لي الحكومة قبل ثمانية عشر عاماً .... كان ذلك بالنسبة لي فرحة العمر ..... يومها ذهبت إلى دائرة الجوازات العامة في مبناها القديم في جبل عمان وجلست أشرب الشاي في مكتب الموظف المعني بزهو وسعادة ريثما يتم إنهاء إجراءات صرف الجواز، فيما المراجعون في الطابق الأرضي ينتظرون في طوابير طويلة إستكمال معاملاتهم....

لم يتح لي حظي العاثر أن أستعمل هذا الجواز في السفر ولو لمرة واحدة، أحدهم سامحه الله أشار على الحكومة بعد شهر أو شهرين بإصدار تشريع يتضمن سحب جوازات السفر الخاصة من الموظفين ..... كم كنت مكسور الخاطر محبطاً وأنا أقف في الطوابير مجدداً لاستبدال جوازي الاحمر بجواز سفر عادي .... كان قلبي يتقطع ألماً وحسرة وأنا أرى الموظف وهو يدمغ بلا رحمة وربما بتشفٍ أيضاً صفحات الجواز الحمراء الخالية بختم "لاغي".

برغم ذلك فأنا ما زلت حتى الآن فرِحاً مزهواً بهذا الجواز .... ما يؤلمني فقط أن الكثيرين لا يعلمون أنني أمتلك هذه الوثيقة الغالية ..... لذا فقد عزمت بعد أن تم استبعادي من التعديل الوزاري الأخير أن أضعه في صندوق زجاجي أنيق على قاعدة من الخشب الفاخر في صدر غرفة الاستقبال في منزلي .... مثل صناديق العرض التي تضعها وكالة الفضاء الأمريكية ناسا في المتاحف لعرض عينات من أتربة وصخور جلبت من سطح القمر ....
مرة أخرى سامحك الله دولة الرئيس ....



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات