اغلاق

ثورة جياع لبنان هل من عبرة لأولي الألباب؟


الأسبوع الماضي كان قاسيا وصعبا على لبنان وشعبه فمنذ سنوات لم تتوالى عليه هكذا أزمات فعلى نحو غير متوقع من حيث الزخم والتحدي انفجر الشارع اللبناني صباح يوم الخميس 17 /10/2019 بسيل جارف من المسيرات والمظاهرات الشعبية الغاضبة في العاصمة بيروت ومدن أخرى في الجنوب والشمال والغرب والشرق ضمن حالة توحد جماهيري عابرة ( للدين والطائفية والجهوية والجغرافيا والأطر والمراجع الحزبية والتنظيمية ) وفي حراك جامع لم يستثنِ منطقة أو حزبا أو طائفة أو زعيما وذلك احتجاجا على ضرائب جديدة أعلنت الحكومة عن نيتها فرضها العام المقبل وهي واحدة من تجليات الأزمة الاقتصادية المزمنة وحالة الانقسام السياسي المستمرة والتي تعيشها البلاد منذ فترة طويلة حيث خرجت جموع المحتجين في تحد صارخ لإرادة أمراء المناطق التقليديين وقاموا بقطع الأتوسترادات وجميع الطرق الرئيسة والفرعية بين بيروت ومحافظات الشمال وباقي المناطق في المتن وكسروان ( جبل لبنان ) والبقاع شرقا وغيرها.

وقد اضطرت المخاطر المحتملة وزير التربية والتعليم وهو يرى لبنان ينتفض إلى إعلان تعطيل المدارس والجامعات والمؤسسات التعليمية خوفا من تداعيات المظاهرات وقد سارع التجار إلى إغلاق محلاتهم وكذلك فعلت جمعية المصارف وبعض المؤسسات الخاصة والعامة حتى بدا الشارع اللبناني من أقصاه إلى أقصاه موحدا و هو يهتف بصوت واحد ضد إجراءات وسياسات الحكومة الحالية برئاسة سعد الحريري مطالبين بإقالتها وتحميلها المسؤولية عن الأحداث التي ترافقت بمواجهات عنيفة من قبل قوات الأمن أدت الى سقوط جرحي بين المواطنين ورجال الدرك أثناء فض الاعتصامات فضلا عن تعريض بعض الممتلكات العامة والخاصة للأذى والخطر وقد اعتقل ما يزيد على سبعين شخص بذريعة قيامهم بأعمال تخريب وإشعال حرائق وسرقة في منطقة بيروت.

محاولة فرض ضرائب جديدة على الاتصالات عبر تطبيقات الهواتف الذكية الواتس اب كشفت مدى ضعف ومحدودية حالة التوافق بين الشركاء داخل الحكومة اللبنانية وأسقطت جدران التحالفات الوهمية واقتلعت كل قدرة على الاحتمال والصبر والسكوت خاصة بعد مبادرة وزير الاتصالات محمد شقير بالإعلان عن الضريبة الجديدة وحتى عندما حاول التخفيف من وقعها عندما قال " الضريبة ستفرض على كل مواقع التواصل الاجتماعي " وليست على الواتس اب وحده فقد تورط أكثر وادخل الحكومة في مأزق آخر ثم بعد انفجار الوضع خرج بتصريح أعلن فيه " وقف الضريبة ولكن بعد فوات الآوان " ورغم ذلك لم تتوقف الاحتجاجات.

وما يثبت ويؤكد هشاشة التحالفات وضعف التوافق والشراكة بين إطراف الحكومة اللبنانية التي شكلت بعد طول عناء وانتظار ( 6 شهور ) محاولة الوزير شقير إلصاق قرار فرض الضريبة بكل ممثلي الحكومة اللبنانية وتبرئة ( نفسه وكتلة المستقبل التي ينتمي لها من المسؤولية ) غير أن العديد من القوى والأحزاب اللبنانية المشاركة في الحكومة كحزب الله وحزب القوات اللبنانية والحزب التقدمي الاشتراكي وغيرهم تبرأوا مما ذكره شقير ونفوا علمهم بالأمر حيث أعلن وزير المالية علي حسن خليل ممثل (حزب الله) ان شقير هرب قرار الضريبة تهريبا ولم يعرضه على مجلس الوزراء بشكل سليم وعلى اثر ذلك طالب الشيخ سامي الجميل رئيس حزب قوات الكتائب بإقالة الحكومة وحل البرلمان والدعوة لإجراء انتخابات جديدة وكذلك نادى حزب القوات اللبنانية برحيل الحكومة مع انه حليف قوي لرئيس الوزراء الحريري وهو ما يشير إلى ان الصورة في عمل الحكومة وتماسكها تسير نحو آفاق غير معلومة ومجهولة التداعيات وهو ما يهدد مستقبل الشعب اللبناني ويحذر من الدخول في النفق المظلم بعد فشل الحكومة في إدارة الأزمة وسط مؤشرات على إمكانية حدوث انهيار اقتصادي.

من المعلوم ان الأزمات اللبنانية الاقتصادية والمعيشية عميقة ومتجذرة وهي ليست وليدة محاولة الحكومة فرض رسوم على الواتس اب فقط وإن كانت هي الشرارة التي أشعلت ثورة الشارع ضد الطبقة الحاكمة حيث سبقها عدة أزمات متلاحقة أرهقت الرئاسة والحكومة والبرلمان والشعب بدءا من أزمة الدولار الذي ارتفع بعد عقود طويلة من الثبات من 1500 ليرة حتى وصل حاجز 1800 ليرة مقابل دولار واحد وإضراب محطات الوقود ومشكلة تجمع النفايات والكهرباء والطحين والخبز و العمالة الفلسطينية وارتفاع المواد الأساسية وانخفاض مستوى الأجور والرواتب وتفشي البطالة والمحسوبية.

والتي وصلت الى القطاعات الإنسانية الطبية والتعليمية بالإضافة إلى تدهور الاقتصاد المنتج وانتشار الفساد السياسي والاقتصادي والأخلاقي والقيمي وسيطرة اللوبيات الحزبية والبرلمانية والدينية والاستمرار في استهداف طبقة الفقراء والمحرومين وابتزاز جيوب البؤساء والمسحوقين ثم أزمة الحرائق في أراضي الشوف وأحراش لبنان وصولا إلى مشكلة الواتس اب والتطبيقات الاجتماعية التي أخرجت المواطنين الى الشوارع بعد ما طفح الكيل وبلغ السيل الزبا مع الإعلان عن فرض ضريبة جديدة على موقع الواتس اب المجاني من بداية العام القادم بمقدار 20 سنت من الدولار الأميركي عن كل يوم.

ما شهدته الشوارع اللبنانية مؤخرا هو صرخة مستحقة من مواطنين يعانون من سوء إدارة السلطة وعشوائية تعاطيها مع هموم وأوجاع الناس مع فقدان الثقة بسلطة تدير شؤونهم وهمومهم وشجونهم وسط إجراءات ضريبية تجويعية لا إصلاحية وبطالة تعدت الـ 40 %.

وهي بذلك لا تشكل ربيعا ولا خريفا عربيا جديدا في بلد يعتبر مضاد لكلّ الفصول ولا يشبه الدول الأخرى في طائفيته وحزبيته وجميع قضاياه وكل ما في الأمر أن هناك ( شعبًا جاع ونزل إلى الشوارع ) ليحتج ويصرخ بشعارات تطالب بإسقاط الحكومة ورحيل رموز الطبقة السياسية الفاسدة دون أي توجيه من احد أو توجه ضد جهة معينة وأمام ذلك وجه رئيس الحكومة سعد الحريري يوم الجمعة الماضي كلمة للبنانيين أمهل فيها من سماهم الشركاء في حكومته 72 ساعة ليقدموا حلا يقنع الشارع والشركاء الدوليين لإخراج لبنان من أزمته الاقتصادية والمالية وتحدث عن أطراف في الحكومة لم يسمها تقوم بتعطيل مساعيه للمضي في الإصلاحات المطلوبة كما عاب على القوى السياسية في لبنان الانشغال بالمناكفات السياسية وتصفية الحسابات الداخلية والخارجية.

الحكومة التي تضم كافة الأحزاب اللبنانية تقريبا اضطرت في النهاية إلى الرضوخ لمطالب المتظاهرين في محاولة منها لتهدئة الاحتجاجات والوصول إلى حل للأزمة حيث اعلن وزير المال اللبناني علي حسن خليل بان الموازنة القادمة عام 2020 لن تتضمن أي ضرائب أو رسوم إضافية وسيتم إلغاء كل المشاريع المقدمة بهذا الخصوص مع إطلاق صراح جميع المعتقلين جراء الاحتجاجات.

البعض لا شك مستفيد من الوضع الراهن ويخشى التغيير ولكن إذا استمرت الحالة الشعبية الاحتجاجية في تعاظمها وثوريتها أو تكرارها ربما تتجاوز مطلب إقالة الحكومة وتحسين الأوضاع الاقتصادية لتضرب وتعصف بنيرانها الطائفية والمذهبية والتي سترتد على كافة القوى المتنفذة في لبنان لهذا سنبقى نحن متحفظين في توسيع دائرة الاجتهاد والتنبوء بأفاق مستقبل هذه الانتفاضة الشعبية ونترك للأيام المقبلة تقديم تصوراتها المحتملة.

وبكل الأحوال لا يمكن السيطرة على ردة فعل مواطن جائع أو عاطل عن العمل لا يستطيع الاستشفاء ولم يتمكن من تسجيل أبنائه في المدارس وبالتالي لا يمكن لومه على التعبير عن وجعه وعذابه وإن استمرت الحكومة بممارسة الاستخفاف بالأم الناس ولم تأخذها على محمل الجد وتباشر بإصلاحات فورية أو تتنحى عن الحكم فستصل الأمور حتما إلى السيناريو الأسوأ خاصة وان الجوع هو الدافع الأساسي الذي حرك الناس للتوجه للشارع احتجاجًا على شحّ الدولار وتدهور الليرة والأزمة المعيشية مع تسجيل تراجع كبير في احتياطي لبنان من العملة الصعبة وارتفاع الدين العام وتصاعد العجز في ميزان المدفوعات.

يعلم الجميع بان الحالة اللبنانية هي الأكثر تعقيدا في المنطقة العربية أو ربما في العالم ففي جميع دول العالم قد تخرج المظاهرات ضد حكومة مترهلة أو رئيس فاسد ( أي أن الهدف محدد ومباشر وواضح وصريح ) ولكن في لبنان الواقع مختلف فهناك أحزاب ذات مرجعيات متنوعة وعصابات ولوبيات متعددة تتقاسم فساد " السلطة " وكلها خرجت من رحم المجتمع وتتحكم به وبالتالي على اللبناني هنا ( أن يثور على زعماء طائفته وحزبه والعصابات واللوبيات الذين خرجوا من رحم منطقته أو من مدينته وهكذا فقط تنجح انتفاضته وثورته وإلا سوف تذهب كل جهوده أدراج الرياح.

وأخيرا نقول للحكومة اللبنانية الموقرة ( ان الرجوع عن الخطأ فضيلة وان الإصرار عليه يجلب الندم وقد يكون آخر مسمار يدق في النعش ويعجل بالرحيل ).

mahdimubarak@gmail.com



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات