اغلاق

الرجل الذي أشعل قرار نقله احتجاجات الشارع العراقي!


بشكل غير مسبوق تدفق ألاف المتظاهرون العراقيون الساخطون إلى الشوارع في مظاهرات وصفت بأنها تحدٍّ للحكومة الهشة وعلى الرغم من أن الكثير منهم كانوا أصحاب دوافع اقتصادية ويطالبون بتغيير الحكومة بسبب فشلها في تحسين الخدمات العامة والبنية التحتية و عجزها خلق الوظائف للعاطلين عن العمل إلا أن العديد منهم حملوا ملصقات وصور وهتفوا باسم وحياة قائد بارز ومرموق في الجيش العراقي عمل بتفوق واضح كمسؤول عن وحدة مكافحة الإرهاب في مرحلة مفصلية صعبة هو الفريق الركن عبد الوهاب ألساعدي 56 عام والذي ذاع صيته لدورة الكبير في تحرير الموصل وبعض المحافظات العراقية الأخرى من قبضة تنظيم داعش ومنع عودته للسيطرة عليها.

وبمبادرة من أنصاره و بعض المواطنين أقيم تمثال خاص به في مدينة الموصل تقديرا لجهوده الوطنية في محاربة تنظيم الدولة الإسلامية إلا أن السلطات العراقية منعت قبل الإحداث الأخيرة افتتاحه وإزاحة الستار عنه مما زاد لاحتقان وزخم الاحتجاجات وعدد المتظاهرين الذين حملوا يافطات بارزة كتبوا عليها ( ربح الساعدي حب الناس وكراهية السياسيين ) و( ليس هناك مجال أو مكان للوطنيين في هذا البلد ) و( هل هكذا تكافئ الدولة مقاتليها الذين دافعوا عن الوطن ).

إقالة ألساعدي مؤخراً من منصبه ونقله إلى إمرة وزارة الدفاع في موقع إداري دون إيضاح الأسباب الموجبة لذلك وسط أنباء عن ( تعيين شخص مقرب من إيران في مكانه ) أثارت جدلا واسعا وحنقا ورفضا شعبيا عارما شكل الشرارة التي أججت الاحتجاجات التي هزت أجزاء من بغداد وعدة مدن أخرى من بينها البصرة والكوت والديوانية والموصل والتي أدت الى سقوط العديد من القتلى وعشرات الجرحى بعد عدة مواجهات دامية مع قوات الشرطة وعناصر مكافحة الشغب هي الأسوأ منذ عامين ونتيجة ذلك تحولت التظاهرات إلى ( انتقاضه شعبية ) واسعة داخل العراق وقد انتشرت فجأة على صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي المطالبات والبيانات والتعليقات التي تدعو إلى إسقاط الحكومة والبدء بالثورة ومحاسبة الفاسدين في المقابل أكد المتظاهرون بان الاحتجاجات الغاضبة ستتواصل حتى تحقيق مطالب العراقيين وفي مقدمتها إعادة القائد السابق لجهاز مكافحة الإرهاب الساعدي إلى منصبه كما نددوا بالطريقة التي تمت مكافأته بها حيث يستحق في تصورهم ان ينصب رئيسًا للحكومة.

وان موافقة رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي على قرار إعفاء ألساعدي من إدارة وحدة مكافحة الإرهاب أوجدت تساؤلات كثيرة حول استمرار عملية تطهير منظمة لمسؤولين عراقيين في قوات الأمن والجيش يعتبرون مقربين من واشنطن خصوصا بعد التقارير التي تحدثت عن أن فصيلين تابعين لميليشيات الحشد الشعبي مارسا ضغوطاً على رئيس الوزراء العراقي لإبعاده بناء على طلب من الخارج ( طهران ).

وقد ألقى البعض باللوم في كل ما حصل على السياسيين الذين تدعمهم إيران وأن كثير من القادة في الصف الأول كانوا لا يشعرون بالارتياح إزاء تنامي شعبية ألساعدي بين العراقيين وقد اعتبر كثير من المتابعين العراقيين أن قرار رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي نقل الساعدي شكل آخر طعنة في صدر العراق وبداية للقضاء على الجيش العراقي وتسليمه لقيادات الحشد الشعبي والفصائل المسلحة الموالية لإيران.

كما شعر كثيرون من زملاء ألساعدي العسكريين مع قرار نقله بنوع كبير من الظلم بحق الكفاءات العراقية المدربة والمؤهلة التي تستطيع تقديم الشيء الكثير لبلدها وقد شكل اسمه رمزا ونموذجا للحيف والتعسف الممكن أن تلاقيه الكفاءات العراقية من قبل السلطات وقد بين الساعدي في حديث أدلى به للصحافة بأن الإقالة هي " إهانة له ولرتبته العسكرية " مذكرا بقوله انني لم أجلب رتبتي من الشارع وجميع الضباط في قيادة القوات الأمنية الآن تدربوا على يدي في كلية الأركان وطالب بـحفظ كرامته وإحالته على التقاعد في حال كانت قيادة القوات المسلحة لا ترغب بوجوده.

وللحقيقة والمصداقية ان مظاهرات العراق لم تأت من فراغ ولا حتى من أحداث قريبة بل هي تراكمات فترة أكثر من عقد ونصف العقد عقب الغزو الأميركي للعراق عام 2003 وبما خلفته الحكومات المتعاقبة حيث تعيش البلاد في تدن في المستوى المعيشي جراء ارتفاع البطالة وغياب الخدمات وتردي البنية التحتية مع بلوغ معدل البطالة 30% بين الشباب إلى جانب وصول 22% من الشعب في مستوى دون حد الفقر مع فقدان جيل كامل من الشباب لفرص العمل وعدم الثقة بوعود الحكومة خاصة بعد مرور سنة كاملة على وجودها.

بالإضافة إلى تفشي سياسات البطش والقهر من خلال الزج بعشرات الآلاف من الأبرياء في الاعتقال ومثلهم من المحتجزين دون محاكمة أو حتى تهم علاوة على المغيّبين وهي تصرفات ولدت طائفية مقيتة بين مكونات الشعب مما فجّر ردة فعل قوية دفعت الشباب للجوء إلى الاحتجاج لتغيير واقع الحال بعد أن تأكدوا من خبث وخيبة لعبة الديمقراطية في وطنهم مع استمرار المحاصصة التي ولدت فسادا إداريا كبيرا إلى جانب عدم وجود مشاركة سياسية فعلية حيث لا توجد شخصيات جديدة بالعملية السياسية فكان الواقع أشبه بتدوير للوجوه والمواقع وسيطرة المتشددين والفصائل القريبة من إيران والمتمثلة في تنظيمات ( البناء والفتح وعصائب أهل الحق ) على المشهد السياسي خلال السنتين الماضيتين مما حرك بعض الكتل الشيعية التي شعرت بفقدان مكانتها في محاولات لإعادة التوازن داخل الطيف الشيعي فكان انعكاسا سلبيا على مجمل مسار العملية السياسية.

ولم تكن الأسباب الاقتصادية والاجتماعية والخدمية والتنموية وحدها وراء اندلاع الاحتجاجات غير المسبوقة في العراق وإنما كانت أيضا إقالة القائد السابق لقوات جهاز مكافحة الإرهاب عبد الوهاب الساعدي في أيلول الماضي من ضمن هذه الأسباب المباشرة التي أشعلت الشرارة والتي رفع بموجبها المتظاهرون شعارات مطالبة بإعادته إلى منصبه.

فمن هو هذا القائد العسكري الشجاع في نظرالعراقيين الذي أشعل قرار نقله الشارع العراقي و كان وراء نجاحات الجيش العراقي في دحر تنظيم الدولة الإسلامية " داعش " وتحرير ثلاثة مقاطعات رئيسية والذي كان دائما في الصفوف الأمامية بشهادة جنوده.

ولد ألساعدي في مدينة الصدر شرق بغداد في عام 1963 وحصل على شهادة البكالوريوس في علوم الفيزياء وتخرج برتبة ملازم من الكلية العسكرية والتحق بالجيش كما درس في كلية الأركان العراقية وتخرج منها عام 1996 قاد عمليات تحرير عدة مناطق من سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية بينها بيجي أكبر مصفاة نفط عراقية والفلوجة والموصل التي اعتبرت آخر معقل للتنظيم الإرهابي في العراق.

وبعدها تحول الساعدي إلى بطل عسكري عراقي في بضعة سنوات ولا يزال العراقيون يتذكرون مشهد تلك الطفلة التي ظهرت في فيديو تناقلته مواقع التواصل الاجتماعي وهي تبحث عنه باكية في أحد أزقة الموصل لتشكره على تخليص المدينة من قبضة تنظيم " الدولة الإسلامية " حيث احتضنها ألساعدي بدفء كبير وقد كان هذا المشهد العسكري والإنساني برمزيته محط إعجاب وتقدير الكثير من العراقيين وفي وقت سابق رفض ألساعدي تسلم حقيبة وزارة الدفاع من اجل القيام بدوره في قيادة قوات مكافحة الإرهاب خاصة وأن المعركة ضد الإرهابيين لا تزال مستمرة وخطرهم لا زال محدق بالعراق.

وقد وجد ببعض المحللين العسكريين ان الحكومة العراقية أخطأت في إعفاء ألساعدي من مهامه وان تجميد رموز النصر في هذا الوقت يعتبر خلل كبير يحفز معنويات العدو ويضعف ثقة المواطن بقرارات القيادة العسكرية فهل من فهم وعبرة ومراعاة لمصالح العراق العليا بنظرة بعيدة عن المحاصصة الطائفية والتفرقة العنصرية نرجوا ذلك.

mahdimubarak@gmail.com



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات