اغلاق

قليل من الشفافية والمصداقية لا يضر .. !!!


أكدت أزمة إضراب المعلمين الأخيرة صعوبة أن تربح الحكومة معركة ميدانها الشارع العام حتى لو كانت على حق، فالرأي العام بمجمله ينحاز ويصطف إلى جانب أي فريق خصمه الحكومة بغض النظر عن حيثيات وتفاصيل الخلاف بينهما، ممارسات وسياسات خاطئة من الحكومة وأجهزتها المختلفة على مدى سنوات طويلة، خلقت هوة واسعة مع الجمهور وأقامت حواجز مرتفعة يصعب إزالتها بقرار هنا او إجراء هناك، حتى الإنجازات والجوانب المضيئة في الأداء الحكومي أياً كان حجمها تضيع وتذوب وتختفي في أذهان الناس أمام مظلمة لمواطن عادي او موظف بسيط ضاع حقه أو ظُلِمَ بسبب تغول مسؤول أو صاحب قرار، مما رسخ في وجدان العامة ووعيها أن الحكومة والترهل والفساد والمحسوبية صنوان لا يفترقان.

لقد أدت نظرة الحكومات المتعاقبة إلى المواطنين وتعاملها معهم كرعايا ومتلقي خدمة فحسب، إلى قصور وفشل خططها وإستراتيجياتها المتتابعة، فالمواطن هو هدف التنمية وغايتها وهو بذلك شريك أساسي فيها وحقه أن يعامل على هذا الأساس، فمن جيبه وعلى حسابه يتم تمويل مشاريع الحكومة ومبادراتها، وأبسط حقوق الشراكة والندية تقتضي الشفافية والمصارحة وقبل ذلك العدالة والنزاهة والإنصاف فكلنا شركاء متساوون في الأهمية والمسؤولية، وأي خلل في هذه المعادلة لن يقود إلا إلى إختلال وتشوه مكافىء في مسيرة الوطن برمته وسيدفع المواطنون دون غيرهم الكلف الباهظة لذلك، ليس من رفاهيتهم ورغد عيشهم غير المتحقق وإنما من خبزهم وكسائهم ودوائهم.

لقد كان واضحاً لهذه الحكومة ومنذ اليوم الأول لتشكيلها ضخامة التحديات الإقتصادية، فرئيسها وزير سابق وخبير عمل سنين طويلة في البنك الدولي، ويعي تماماً صعوبة تحقيق إختراقات هامة وسريعة في الملف الإقتصادي، وهو يدرك حجم الإحباط والخيبة لدى غالبية المواطنين من سياسات الحكومات المتعاقبة التي يرونها غير عادلة ولا منصفة، تطالب المواطنين بالصبر والتحمل وتنفق بسخاء على رجالها ومسؤوليها، لقد كان لدى رئيس الحكومة فرصة ذهبية وهو سليل أسرة ذات تاريخ وأرث مشرف، وإكتسب شعبية وسمعة جيدة إبان خدمته السابقة في الحكومة وزيراً للتربية والتعليم، بأن يحقق إنجازات شعبية وغير مسبوقة في مجالات لا كلف مادية لها، تبدأ من المصارحة التامة بالوضع الإقتصادي المتردي وأن لا حلول آنية لمصاعب الناس الإقتصادية، وان يبادر إلى فتح صفحة جديدة مع الجمهور أساسها تكريس قيم العدالة والمسائلة والشفافية، وتطبيق ذلك من خلال إجراءات صارمة على الجميع دون تمييز، فالتعيينات والترقيات والتقاعدات تتم بموجب إجراءات معلنة للجميع ولا إسثناءات في ذلك لكائن ما كان، وتقديم المثل والقدوة في التقشف وضبط النفقات، ووقف تعيينات الرواتب العالية إلا في حالات الضرورة القصوى والإعلان عن ذلك بتقديم كل التفاصيل وكافة المبررات، عندها سيشعر المواطن بالرضا وسيكون أكثر تفهماً وتقبلاً لإجراءات الحكومة مهما كانت قاسية ومرة، إلا أن ذلك لم يحدث مع الأسف وبدلاً من ذلك فقد غرقت الحكومة ورئيسها في تفاصيل العمل الحكومي اليومي وفق الادوات والأساليب السابقة، وإختلط الإستراتيجي بالمرحلي، واستمرت الازمة الإقتصادية في تفاقمها وإستمر تذمر الناس وسخطهم، وكان طبيعياً أن تساند قطاعات شعبية كثيرة المعلمين في معركتهم مع الحكومة والتي إنتهت في غير صالحها تماماً.

لم ولن تنتهي متاعب الحكومة وأيامها الصعبة بإنتهاء أزمة المعلمين، ففي الطريق أزمات وألغام ستنفجر تباعاً في حضن الحكومة، ويجري التحشيد حالياً من قبل الكثيرين ومن مختلف القطاعات لحملة واسعة على الهيئات والمؤسسات المستقلة، وتحميلها وزر وأعباء الأزمة الإقتصادية المستفحلة، ولا تسمع رداً من الحكومة في هذا المجال سوى تصريحات إنشائية عامة لا تقدم ولا تؤخر، والمفترض من الحكومة أن تكون قد أستوعبت بعضاً من عبر ودروس الازمة السابقة، فتسارع بعمل حملة إعلامية واسعة قوامها الصراحة والشفافية فما يتعلق بهذا الملف، وليس وفق طريقة وأسلوب موقع "حقك تعرف" الذي حقق فشلاً ذريعاً في كثير من الحالات التي إنبرى لتوضيح موقف ورأي الحكومة فيها وصدق فيه قول القائل "أجى يكحلها عماها"، فتعلن عن أسماء وغايات هذه الهيئات وتكشف بالرقم والمعلومة الصحيحة حقيقة ما يجري فيها، وخاصة ما يتعلق برواتب الموظفين فيها، وأن تأخذ موقفاً شجاعاً وصريحاً بأن تشير إلى مواطن الخلل والمخالفات في حال وجودها، وتبدأ بخطوات وإجراءات فورية للتصويب، لكسب المصداقية ولإثبات الجدية في التعامل مع هذا الملف والذي أصبح بمرور الزمن حجة وذريعة لا بل مادة خصبة لا تنضب يستعملها دون هوادة خصوم الحكومة ومعارضيها، ونرى أن تستغل الحكومة ما تبقى لها أسابيع وربما شهور لتحقيق إنجاز لها في هذا المجال، يساهم في ترميم العلاقة مع الجمهور ويمكنها هي أو أية حكومة جديدة من مواجهة ما الصعوبات التي تواجهنا جميعاً كجبهة واحدة متراصة وبما يحقق نتائج أفضل لهذا الوطن الصابر وأهله الطيبين.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات