اغلاق

تعنت مقصود


بدى جليا منذ اللحظات الأولى أن قضية إضراب المعلمين ليست قضية مطلبية أو مادية كما تدعي الحكومه بل هي أكبر من ذلك بكثير ... وكان من الممكن للحكومه ان تتلافى ما يحصل الان منذ اللحظة الاولى حيث ان مطلب نقابة المعلمين كان منذ البداية هو تنفيذ وقفة احتجاجيه لمدة ساعتين في منطقة الدوار الرابع للتذكير بمطالب المعلمين المتفق عليها مع الحكومات الاردنية السابقه على حد زعم نقابة المعلمين . الا ان الحكومة وبعقلية الاحكام العرفيه تعنتت برفض هذا المطلب بحجة ان اغلاق منطقة الدوار الرابع ستتسبب بازمة خانقة فعمدت ومن خلال الاجهزة الامنية الى اغلاق العاصمة عمان ومن كل منافذها ومداخلها امام القادمين اليها من كافة مناطق المملكة ما تسبب باحداث ازمات خانقة وتكاد تكون كارثيه على الطرقات الواصلة بين المحافظات ببعضها وبيننها وبين العاصمة عمان ، ما يبرهن على ان الامر لا يتعلق بوقفة لمدة ساعتين ثم ينفض السامر بل تعدت ذلك الى استخدام اساليب اعتبرها المعلمون عدائية واستفزازية بحقهم وامتهانا لكرامتهم ما دفع نقابتهم الى اعلان الاضراب العام عن العمل والتدريس وفي كافة محافظات المملكة ومدارسها واصبح مطلبها الرئيسي ان تعتذر الحكومة للمعلمين عن الممارسات التي تدعي الحكومة دائما بانها ممارسات فردية بالاضافة الى العلاوة المهنيه البالغه 50% من قيمة العلاوة المتفق عليها اصلا ومنذ العام 2014 على حد زعم النقابة ، وبدلا من ان تحاول الحكومة احتواء الازمة وانقاذ العام الدراسي واعادة العملية التعليمية الى طبيعتها راحت تؤججها وتنفخ في فتيلها مستخدمة كل الادوات المتاحة بين يديها وتصر على رفضها وتعنتها بالرغم من ان مطلب المعلمين ليس بذلك الحجم الهائل الذي تدعيه الحكومة ، فتأمين كلفة العلاوة المشروعه التي يطالب بها المعلمون يمكن تأمينه من خلال الحد من الاعطيات والهبات والمكافآت التي تمنح لاشخاص قد لا يتجاوز عددهم عدد اصابع اليد الواحده دون وجه حق وبلا حسيب او رقيب والامثلة كثيرة لا مجال لسردها هنا . 

ان ما حدث ويحدث بدى جليا لاقل المتابعين بان الحكومة ليست الا اداة بايدي خفية قد تكون داخلية وقد تكون خارجية او الاثنتين معا للعبث بالمنظومة التعليميه والتربويه لصالح جهات بعينها تسعى الى احتواء هذه المنظومة تحت جناحها لتتحكم بسير عملها وتوجهها حيث تريد تماشيا مع مصالحها ومطامعها ، والادلة على ان الحكومة ليست الا اداة تدارعن بعد كثيرة ، ومنها ان كافة التصريحات التي تصدر عن الحكومة برئيسها ووزير تربيتها والمؤتمرات الصحفية التي يعقدها الناطقون الاعلاميون تبدو وكأنها مملاة عليهم يقرأونها من قصاصات اوراق تدفع اليهم فتأتي هذه التصريحات هزيلة وبعيدة كل البعد عن القضية الاساسية وان تعرض احدهم الى سؤال لم يكن بالحسبان فيبادر فورا الى القول (No comment) في دليل واضح على انه لا رد لديه او ان الرد لم يصله . 

استمرت الحكومة في استخدام ادواتها _ان لم تكن هي اداه كا اسلفنا _ للضغط على المعلمين ترهيبا وترغيبا ليس للمعلم فقط ولكن للاهالي والطلاب في محاولة منها لشق الصف الوطني المتلاحم في مواجهة التعنت الحامي للفساد والمفسدين ولايقاع الفتنة بين المعلمين والشعب الاردني الا انهات لم تفلح في ذلك وفشلت فشلا ذريعا حتى عندما لعبت على وتر لقمة العيش بتهديد المعلمين بالخصم من رواتبهم لعل وعسى ان تكسر ارادتهم ، وفي خضم ذلك كله وبعد ان رأت الحكومة الوقفة الشعبية والاتفاف المجتمعي حول المعلم الذي اصبحت قضيته هي بيضة القبان في ان نكون او لا نكون عمدت الى اخر قلاع الثقة في المجتمع الا وهي القضاء ، ما يثبت ان الحكومة باشخاصها وجيوش مستشاريها وخبرائها الذين ينهكون موازنة الدولة لم تستطع حل قضية مطلبية واحده لفئة واحدة ، فكيف لو تحركت كل الفئات المظلومة والمسحوقة والمنهوبة حقوقها على مرأى من كل السلطات ، التنفيذية والتشريعية والقضائية دون ان تحرك ساكنا . 

ان كثيرا من المتابعين للمشهد بدأوا يتهامسون بان المحكمة الادارية ستقضي حتما بما يتوافق مع رؤية الحكومة ولن تنتصر للمعلم الشعب على اعتبار ان السلطة القضائية اصلا جهة معينة من السلطة التنفيذيه ولا استقلالية لها بالمفهوم الصحيح لاستقلال القضاء الذي نتغنى به ، وبالتالي فان الحكومة هنا تدفع بالارادة الشعبية الى فقدان اخر معاقل الثقة المجتمعيه وهي القضاء . وان حدث ذلك فسنصل الى حالة من الانعدام التام من الثقة بين المواطن وكافة سلطات الدولة دون استثناء ما قد يترتب عليه عواقب وخيمة لا نتمنى الوصول اليها . 

ان الاعتذار للمعلمين على الاساءة والامتهان الذي تعرضوا له ليست جريمة ولا خطيئة بحق الحكومة التي اجبرت طفلا على الاعتذار لـ(حمار ) ارضاءا لسائح اجنبي اشتكاه.

كما ان مطلب المعلمين بالعلاوة المذكورة اقل تكلفة من استنفرار الاجهزة الامنيه يوم الخامس من ايلول ومن تكاليف المؤتمرات الصحفية التي لا يعقدها عاقدوها الا ويتقاضون عليها مكافت او مياومات ناهيك عن تكاليف الرسائل النصية التي ارسلتها الحكومة الى ملايين المواطنين لحثهم على ارسال ابنائهم الى المدارس . 

اذن القضية ليست اعتذارا او مطلبا ماليا من وجهة نظر الحكومة بقدر ما هي تنفيذا لرغبات داخلية او خارجية تسعى للعبث باخر عرى التماسك المجتمعي وهدم اخر جسور الثقة بين المواطن والسلطات من خلال الزج بالقضاء في قضية يمكنها حلها من خلال قرارجريء من رجل رشيد والا فعلى الحكومة الرحيل.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات