اغلاق

وزير الدفاع السابق واستراتيجيات أميركا الخارجية


تقديرات استراتيجية مثيرة للنقاش عرضها وزير الدفاع الاميركي الاسبق جيمس ماتيس في كتابه “استدعاء إشارة الفوضى”. الكتاب تضمن نقداً لقرارات مفصلية أميركية في الشرق الاوسط إبان ولاية الرئيسين اوباما وترامب، ويعتبر تمثيلاً حقيقياً للتوتر المتصاعد بين “المؤسسية الاميركية” وبين الاجتهادات التي تأتي مع رؤساء الولايات المتحدة المنتخبين، الذين يجلبون معهم خبرات وآراء متباينة في السياسة الخارجية، لا تتسم بالضرورة بالخبرة والعمق، وهم غالبا ما يسيسون القرارات الاستراتيجية على نحو لا يحقق المنفعة كما يراها المختصون والمحترفون داخل مؤسسات صناعة القرار. هو توتر متصاعد لأن الحال لم يكن كذلك الى نهاية عهد كلينتون وما قبله. حتى رونالد ريغان، رغم رؤاه الاستراتيجية المختلفة، كان يخضع ويستمع للمؤسساتية الاميركية. بوش الابن الذي أتى بعد كلينتون انتقم لهجمات 11 أيلول، التي قامت بها القاعدة من افغانستان، باحتلال العراق في مفارقة استراتيجية خاطئة لا زالت المنطقة تعاني الامرين من تبعاتها ليومنا هذا. اوباما رسم خطوطه الحمراء الواحد تلو الآخر دون الالتزام بها، وترامب تخلى عن حلفائه في سوريا وضرب مصداقية بلاده ما كان هذا السبب الاساسي لاستقالة ماتيس.

وزير الدفاع المستقيل وجه نقداً قوياً لقرارات اوباما، بدءا من الانسحاب غير المحسوب او المخطط بعناية من العراق الذي خلق ذلك فراغاً ملأته ايران وتنظيمات ارهابية مثل داعش، مروراً بطريقة التعامل مع إيران والتفاوض معها على برنامجها النووي مع أن الاصل كان مواجهتها، انتهاء بالسماح وعدم تبني ردة فعل صارمة إزاء استخدام الغاز السام في سوريا. هذه القرارات استنزفت مصداقية الولايات المتحدة، وأظهرت تردداً وتلكؤاً أحدث تشويشا كبيراً لدى كافة حلفاء اميركا في الاقليم وفي اوروبا. ترامب ليس أفضل حالاً، فانسحابه من سوريا وترك الحلفاء الذين دربتهم ومولتهم الولايات المتحدة وقاتلت لجانبهم، جعلهم يشعرون بطعنة بالظهر ومنهم من قال ذلك بوضوح كقوات سوريا الديمقراطية الكردية. نفس المنطق يساق على طريقة تعامل ترامب مع إيران التي تقصف حلفاء اميركا ليل نهار دون أدنى تحرك من قبل ترامب، ما يعيد للذهن خطوط اوباما الحمراء المنتهكة. نقل السفارة للقدس ايضا اغضب الحلفاء ولم يحقق اي مكسب استراتيجي للولايات المتحدة وفقط لبى وعود ترامب الانتخابية.

أصبح فهم سياسة أميركا الخارجية والاستراتيجية، وأفضل طريقة للتعامل معها، يحتكم لتحليل شخصية الرئيس المنتخب ومواقفه ورؤاه، تماما كما هو الحال بفهم سياسات الدول غير الديمقراطية ذات حكم الشخص الواحد. لم تعد بالحالة الاميركية مواقف أحزاب الرؤساء المنتخبين، او مبادىء عمل البيروقراطية المؤسسية الاميركية، بالأهمية التي كانت عليها سابقاً، وكما هو الحال في غالبية الديمقراطيات الناجزة. هذا رتب الكثير من الاعباء على حلفاء الولايات المتحدة، وصعّب مهمة خلق التحالفات وقيادتها من قبل أميركا، وأضعف من جودة السياسات ومن أداء مؤسسات صناعة القرار الاميركية وافرادها العاملين بها.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات