اغلاق

البعد عن تسييس القبيلة


الناظر بعين البصيرة، لا يمكن له فصل الأدوار التي تؤديها القبائل في المشهد السياسي تحديدا في الوطن العربي، ولطالما تشكلت هذه الأدوار وتحددت ملامحها تبعا لمواقف الأنظمة السياسية .. تاريخيا كانت القبيلة النواة الرئيسة التي تتبلور فيها مواقف الرأي العام، وتنبثق منها ردود الفعل تجاه الاحداث، وقبل ظهور الإسلام تعرفت القبائل العربية على أولى اشكال التحالفات السياسية من اجل تثبيت معالم الاستقرار والدفاع عن مصالح القبيلة، ومن ثم تأمين استقرارها ونشاطها التجاري، وقد عزز ظهور الإسلام دور القبيلة لكنه حاول تنقيته من معالم التعصب، وقد تم توظيف قدرات القبائل في سبيل تدعيم قوة الدولة الإسلامية منذ بداياتها في نشر دعوة الحق وإرساء الأمن والسلام، وفي العهد العثماني لم يغفل العثمانيون عن اهمية الاعتماد على القبائل العربية في تسويق احتلالهم والتلويح بالمغانم والمصالح لبسط سلطة احتلالهم على أراضي غالبية المنطقة العربية، ومثل ذلك فعل الاستعمار الغربي أبان احتلاله للمنطقة، وفي كل هذه المفاصل لم يكن وعي القبيلة غائبا عن المشهد السياسي ومجرياته، ولربما شكل تنامي هذا الوعي لدى زعماء القبائل العربية، من تحديد ملامح المقاومة والمعارضة للاحتلال مهما كان شكله، ولم تستطع سلطة الاحتلال ومن ثم انظمة الحكم بأنواعها إلغاء أو تهميش أو حتى اضعاف حضور القبائل في تشكيل وشكل النظام السياسي فيما بعد.

القبائل شكل من أشكال التنظيم والتلاحم بين الأفراد والمجتمعات، ويمكن أن تواكب كل المراحل شريطة أن لا تكون أداة استحواذ وتعال على الآخرين فالقبيلة تجمع ولا تفرق، ومجتمع ينكر قبائله مجتمع مائع مقطوع الجذور، وقد سعت الشعوبية دوما وحسب كل زمان لتذويب وهدم البناء القبلي العربي بالذات، وعادة ما نجد أن النسيج الاجتماعي يتمحور حول الأسرة والعشيرة ومن ثم القبيلة، حيث تتجسد في القبيلة عناوين الانتماء والولاء وتتشكل فيها كل مظاهر الرأي العام، وأن غالبية البلاد العربية تحمل الهوية العشائرية والصفة القبلية، وتسود فيها أعراف وتقاليد القبيلة، ولربما طغت في كثير من الأحيان هذه الأعراف على القوانين المرعية في كثير منها، وتبرز اهمية القبيلة في الظروف الصعبة والأزمات والحروب، ونجد بعض انظمة الحكم العربية تمارس نوعا من الضغط على زعماء القبائل من أجل تثبيت معالم الأمن والاستقرار أكثر من اعتمادها على القوات المسلحة والأجهزة الأمنية فيها.

وما يهمنا هو أن تكون القبيلة جزءا من مساحات الوعي الذي يتفاعل فيه الوطنيون والمخلصون بشتى عناوينها خاصة ممن يرفضون الانجرار لمحاولات تسييسها، مما يشوه تلاحمها ويشتت شملها ويحرفها عن مسارها التاريخي والوطني المشرف، لكن مما يؤسف له أن الكثير من أبناء القبيلة هذه الأيام فضلوا الانغماس في هذا الدور على حساب أبناء جلدتهم ووطنهم وعلى حساب قضاياه المصيرية .. إن ما نفتقده اليوم هو الحضور العشائري المدعوم بالمواقف تجاه الفساد ومحاربة الفاسدين وتجاه عمليات الأقصاء والتهميش الممنهجة التي يتعرض لها أبناء القبائل، وتغافل الحكومات عنها احيانا وبشكل متعمد، فيما نرى بعض من رموز وأبناء القبائل ركونهم إلى جانب الحكومات ومداهنتها من أجل المنفعة والتكسب والمصالح الفردية الضيقة على حساب القبيلة وتقزيمها وتجيير دورها وتوجيه بوصلتها نحو معارك هامشية بعيدا عن دورها الوطني .. في هذا الوقت ما زلنا ننتظر صحوة قبلية عشائرية وطنية، والبعد عن موضوع تسييس القبيلة وعن تلوينها بالوان فئوية ذات اهداف واجندة لا تخدمها ولا تخدم الوطن، وبما يعيد لها بريق صفحاتها المشرقة والمضيئة، والدور الكبير الذي لعبته عبر محطات زمنية بارزة من تاريخها في النضال الحر، والدفاع عن الوطن ومؤسساته دون تحيز أو انحياز وبعيدا عن التسييس والانتهازية .



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات