اغلاق

ياسر عرفات في ذكرى ميلاده وجع ووفاء


يصادف اليوم السبت 24 / 8 / 2019 ذكرى عيد ميلاد الزعيم المؤسس والمعلم الرمز الشهيد ياسر عرفات أبو عمار الذي انتزع راية فلسطين من متاهات النفي والتغييب بعد النكبة ليرفعها عالياً في فضاءات العالم والذي قاد شعب فلسطين إلى أبواب الحرية والاستقلال .

مفجـر الثــورة الفلسطينية المعاصرة وأحد أشهر قادتها واهم الرموز النضالية الذي أوصل بكوفيته ( التي إعادة للأذهان بها كوفية الثائر الشهيد عبد القادر الحسيني قائد معركة القسطل ) صورة ثورته وعدالة قضيته إلى كل إرجاء العالم حين أفنى حياته وشبابه بيــن البنادق وتحت الخنادق في مواجهة العدو المحتل وقد بقي رقما صعبا في حياته وفي موته بعدما ملأ الساحة الفلسطينية فعلاً وضجيجاً وكما كل الشعوب الحية الوفية لزعمائها حتى وهم راحلون يستذكر الفلسطينيون في كل عام هذه المناسبة الغالية بمزيد من الحزن والألم والبكاء على خسارته الكبيرة يوم استعجلوا موته ذلك الموت المثير للجدل كصاحبه الذي لا يعرف حتى الساعة هل هو مات ام قُتل وبقى سر رحيله غامضا ومدفون في لحده لكن المعلوم يقينا بان روحه ارتحلت إلى السماء وقضى شهيداً من شهداء القدس كما كان يتمنى ويريد وبقي الفلسطينيون بلا عرفات أيتام وتائهون ولازالوا يبحثون عن زعيم ثائر وجرئ ومحنك يملأ الفراغ الكبير بعده ويستطيع التعامل مع الخيارات الصعبة والتحديات المعقدة التي تواجههم في صراعهم مع العدو الصهيوني الغاشم .

ياسر عرفات زعيم الفلسطينيين بلا منازع ملك المهارة في قيادة اعقد قضايا العصر اختلف معه الجميع ولم يختلفوا عليه كقبطان بارع قاد السفينة في بحر الظلمات المتلاطم ورعى المسيرة الثورية والكفاحية بأسلوب متميز ونادر جمع تحت كوفيته " التي حول مقدمتها الى شكل رأس حمامة سلام " كل المتناقضات فهو الثوري كجيفارا والبراغماتي كميكافلي في آن واحد وهو المقاتل الشرس والقدوة المتواضع والرئيس الزاهد الذي جمع حوله المستشارين بالبدلات الأنيقة والفاخرة وبقي هو في ثياب " الخاكي" ودخل البيت الأبيض ببدلته العسكرية وصافح رابين بثياب الفدائي وحمل غصن الزيتون بيد والبندقية باليد الأخرى فوق منبر الأمم المتحدة وعاش ومات ومسدسه يزنر خصره وسكن في طائرة وجاب العالم من اجل وطنه وقضيه ودخل قصور الزعماء وهو لا يملك بيت وتحت يديه المليارات ولا مصروف شخصي له تقام من حوله الولائم ويتعشى قطعة جبنه مع كوب من الشاي ولم ينسى رواتب الموظفين حتى وهو على فراش المرض ولم يكترث يوما بحياته الشخصية ومناسباته الخاصة حيث كان أصدقاءه المقربين منه يفاجئونه احيانا بحفلة بسيطة وعندما يسأل عن المناسبة يخبرونه بأنه عيد ميلاده ويرد بالقول لقد كبرنا عاما واقتربنا عاما آخر من تحقيق حلم الدولة .

يتحلق حوله الفاسدون من كل صنف ولون ولا يكترث وينشغل بالقضايا الكبيرة والصغيرة من تعين سفير الى صرف ثمن " بوت " لفدائي يشق الفصائل بدهاء ثم يوحدها بحكمة تراه يجلس بين نايف حواتمة وياسر عبد ربه وبين احمد جبريل وابو العباس ويقبل رأس الشيخ احمد ياسين في النهار ويقرأ تقارير محمد دحلان في الليل ويهتم بإطلاق سراح مروان البرغوثي واحمد سعدات وفي نفس الوقت يطلق يد محمد رشيد " خالد سلام " في مشاريع المال والإعمال والاقتصاد ( إذا هو ياسر عرفات الذي لا يشبهه احد والذي يتقن جمع النقضين وتزويجهما في عرس جماعي يحضره كل الرفاق والمناضلين حتى غلاة المعارضين له ) .

ومع كل الظروف الصعبة والمعقدة التي يمر بها الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة من عظم المؤامرات وكثرة الخونة والمتخاذلين والتراجع والانقسام فإن الذكرى تمر هذا العام والأمنيات حبيسة في جوانب اليأس والخوف ولسان حالها يقول ( يا ليتك ابو عمار بيننا يا ليتك تقوم بعد هذا الموت يا ليتك تطل علينا من شباك مكتبك في المقاطعة ببزتك العسكرية وكوفيتك والتي أصبحت بمثابة جواز سفر لكل حر ووطني ومناضل في هذا العالم وهوية وطنية ووسام عزة وشرف لكل فلسطيني أينما كان وحيثما وجد .

تطل علينا الذكرى في السنة وسط اقتراب موعد الإعلان عن صفقة القرن وآثامها الكبرى و تزايد مخاطر تصفية القضية الفلسطينية وتكرار الاعتداءات والاقتحامات اليومية للأقصى واستمرار حالة الانقسام والشرذمة الوطنية واختلاف المواقف والتوجهات التنظيمية وحنق غزة وتشديد حصارها حيث يتجرع فيها الناس الألم والقهر اليومي في شتى مجالات الحياة ويعيشون في ظلام دون كهرباء وبلا مياه ودواء وعلاج ويساقون الى مشروع تطهيرعرقي جديد تحت ستار تشيع الهجرة للخارج بعدما أغلقت كل المعابر وازدادت المحن مما يوجب وبشكل عاجل السعي الحثيث والمشترك لتمتين أواصر الوحدة الوطنية وتوثيق روابط المصالحة ونبذ الفرقة وإنهاء حالة الانقسام بالوحدة الحقيقية الصادقة من أجل مواجهة كل الإخطار العاتية التي تحيط بالقضية الفلسطينية في ظل التحولات الدولية والعربية الجارية والتي يحاول فيها الأعداء طمس القضية وتصفيتها بإحلال قطعان المستوطنين مكان أصحاب الأرض الأصليين المتشبثين فيها وعليها .

نستذكر اليوم هذا الزعيم الكاريزماتي في عيد مولده والقدس على حالها تشكو خيبتنا لباريها يدوس فيها قطعان المستوطنين كل الأعراف والمواثيق والقيم وينتهكوا حرمة كل مقدس في الأرض المقدسة ولكنها صامدة وصابرة كما كان عرفات يقول عنها ويهتف باسمها دائماً من خلال النداءات الوطنية الحماسية التي كان يرددها ليشد من عزيمة أهلها ويرفع معنوياتهم وهي التي لا زالت تصدح في شوارع القدس وحاراتها ومساجدها وكنائسها يتغنى بها المقدسيون وينشدون بقلوبهم المؤمنة أقوال ومآثر ابو عمار ( على القدس رايحين شهداء بالملايين ) ودعواتهم تملأ الأرض والسماء ( يارب اطعمني ان أكو شهيداً من شهداء القدس ) ( سنبصر أضواء القدس عما قريب ) لكن ما يجعلها حزينة ومكلومة انها تفتقد قائدها وموجهها وملهمها الخالد الذي قاوم المحتل بكل بسالة وأوقف غطرسته وصد جبروته وحمى شعبه ومقدساته وأرضه في أحلك الظروف وأقصى المواقف .

ومع تفيئنا ظلال الذكرى العطرة فكم نحن أحوج اليوم إلى حكمة الرئيس عرفات القائد الاستثنائي الذي دخل التاريخ من أوسع أبوابه كاب حاني وحامي وطوق نجاة وبصيرة امل الذي حافظ على لم الشمل الفلسطيني ورفض الانقسام والانفصال والاقتتال وأكد دائما على حرمة الدم الفلسطيني ورفض المساومة أو المقايضة على حساب حقوق الشعب الفلسطيني التاريخية وعذابات الأسرى وألام المصابين ودماء الشهداء ودموع الأيتام وقهر الأرامل لقد كان عرفات حصناً مانعاً لكل محاولات العبث بالمشروع القائم على وحدة القرار الفلسطيني المستقل الرافض لكل إشكال الارتهان وكان سداً صلباً في وجه كل المؤامرات التي تستهدف الكيان والمصلحة العليا الفلسطينية وقد ظل طوال حياته بوصلة قيادية أمينة راسخة وثابتة لا تحيد ولا تغير اتجاهها الوطني وبما تركه من بصمات واضحة على الحياة السياسية الفلسطينية والعربية والإقليمية والدولية .

نفتقدك يا أبا عمار خاصة في ظل الانقسام المزمن والجمود السياسي والهجمة الاستيطانية وانشطار الوطن والتجاذب الإعلامي الرخيص وكم اليوم نتمنى لو أنك تولد من جديد لتقود المعركة والمسيرة مثلما كنت في بيروت ودول الشتات والسلطة من خلال متابعتك لكل التفاصيل الدقيقة للمواطنين بدون تمييز أو تأخير نشتاق فيك للفدائي العنيد للسياسي المتمرس نشتاق للأب والأخ والقائد نشتاق إليك ونحتاجك فالظلام قد ساد وصناعة الوهم ازدهرت يا سيد الحقيقة والحلم معا ان الزارع للحقول الوعرة لا يكون دائما هو الحاصد لكن المؤكد في حياتنا انه لا احد يمكنه ان يشغل مكانك أو يقترب من مكانتك رغم طول غيابك ستظل باقيا وخالدا في ضمائرنا وذاكرتنا لأن نضالك كان رديفا لاسم وشعب فلسطين .

هو محمد عبد الرؤوف عرفات القدوة الحسيني عرفه الناس مبكرا باسم محمد القدوة واسمه الحركي "أبو عمار" ويُكنّى به أيضًا وهو رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية المنتخب في عام 1996 وقد ترأس منظمة التحرير الفلسطينية سنة 1969 كثالث شخص يتقلد هذا المنصب منذ تأسيسها على يد أحمد الشقيري عام 1964 وهو القائد العام لحركة فتح أكبر الحركات داخل المنظمة التي أسسها مع رفاقه في عام 1959 عارض منذ البداية الوجود الإسرائيلي ولكنه عاد وقبِل بقرار مجلس الأمن الدولي رقم 242 في أعقاب هزيمة يونيو 1967 وموافقة منظمة التحرير الفلسطينية على قرار حل الدولتين والدخول في مفاوضات سرية مع الحكومة الإسرائيلية كرس معظم حياته لقيادة النضال الوطني الفلسطيني مطالبًا بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره والعودة الى ارضه في نهاية سنة 2004 مرض ياسر عرفات بعد سنتين من حصار الجيش الإسرائيلي له داخل مقره في رام الله ودخل في غيبوبة توفي ياسرعرفات في 11 تشرين الثاني عام 2004 بباريس عن عمر جاوز 75 عاما لا يعرف سبب الوفاة على التحديد وقد قال الأطباء أن سبب الوفاة هوتليف الكبد ولكن لم يتم تشريح الجثة وقد سرت مؤخرا إشاعات وجرت تحقيقات على أثر الأشباه بتعرضه لعملية تسميم بمادة قاتلة مجهولة .

يذكر أن ميلاد الرئيس الراحل ياسر عرفات اختلفت فيه الروايات حول مكانه وتاريخه منها ما يفيد انه ولد في القاهرة في 24 / 8 / 1929 ومنها ما يوثق انه ولد في القدس في 4 / 8 / 1929واخرى تؤرخ انه ولد في غزة إلا أن ارجح هذه الروايات ما يفيد بانه ولد في القاهرة .

رحم الله أبا عمار رحمة واسعة وغفر له وأسكنه فسيح جناته ورحم الله كل شهداء فلسطين والأمة العربية والإسلامية ولتطمئن روحك الطاهرة ايها القائد العظيم بين الصديقين والشهداء فالعهد لك هو العهد والقسم أمامك هو القسم لا رجعة لنا عن إقامة الدولة المستقلة وعاصمتها القدس واسترجاع كل الحقوق الفلسطينية المسلوبة مهما كلف الثمن وغلت التضحيات بإذن الله رب العالمين .

mahdimubarak@gmail.com



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات