اغلاق

الأردنيون بكرمهم وأخلاقهم


في دول ديمقراطية عريقة، يحاول اللاجئون تجنب رجال الأمن بكل الوسائل المتاحة، وقبل أيام قليلة فقط شهدنا حملات الترحيل القسري لآلاف اللاجئين السوريين في تركيا، وحالة الرعب التي دبت في أوساطهم. في عمان لا تجد شقيقة عراقية من يمشي في جنازة والدتها، فيهب رجال الدرك لتلبية الواجب الإنساني.

ربما يكون بلد مثل تركيا قد استقبل لاجئين سوريين أكثر من الأردن، لكن عند مقارنة إمكانيات البلدين، ندرك أن العبء الأردني أكبر بكثير من عبء دولة بحجم تركيا واقتصادها المتقدم.

لا أتحدث هنا عن الجانب الرسمي من أعباء اللجوء، وما يحمله اقتصاد البلد وموازنة الدولة من تبعات ثقيلة، بل عن التعاطي الشعبي الأردني مع مصائب الأشقاء الذين لجؤوا إلى بلادنا.

أطلقت عملية اللجوء السوري والأفريقي في العالم الغربي ودول عديدة في المنطقة، موجات من العنصرية والكراهية وأعمال العنف لا مثيل لها في التاريخ. وفي بعض الدول الديمقراطية أعادت تشكيل الخريطة السياسية مع تنامي نفوذ وشعبية أحزاب اليمين المتطرف، حتى وصل بعضها للسلطة.

وتسجل تقارير المنظمات الحقوقية والإنسانية انتهاكات جسيمة بحق اللاجئين في تلك الدول، وترصد على نحو مقلق تصاعد أشكال العداء الشعبي للاجئين، ومحاصرتهم في أحياء معزولة.

النسيج الاجتماعي الأردني تعرض في الثلاثين سنة الماضية لهزات عنيفة جراء قدوم موجات من اللاجئين، سواء الذين عادوا بعد حرب الخليج الثانية، أو من العراق واليمن والسودان وصولا إلى الموجة الأكبر من سورية. وتفيد البيانات الرسمية أن الأردن يستقبل على أراضيه حاليا لاجئين من 41 جنسية.

لم تبدل هذه الموجات من قيم الأردنيين أو تهز قناعتهم تجاه الأشقاء أو المظلومين مهما كانت جنسياتهم. حافظوا على نفس الروح الأصيلة، من كرم الضيافة والعيش المشترك والقبول باللاجئ جارا وشريكا في العمل، لا بل وصاحب عمل.

نحو 85 % من اللاجئين السوريين يعيشون داخل المدن والبلدات الأردنية. صحيح أن البلديات والهيئات الخدمية تشكو من عبء المسؤوليات، وتكافح لتأمين الحد الأدنى من مستوى الخدمات، ويعاني الناس من نقص فادح في قدرات المرافق العامة، لكن ذلك لم ينعكس أبدا على سلوك المواطنين حيال اللاجئين. ظلت العلاقات الودية والطبيعية قائمة.

تلك هي منظومة الأخلاق الشعبية التي ميزت الأردنيين عن شعوب أخرى تدعي التقدم والحضارة. انظروا ماذا يحصل للاجئين السوريين والفلسطينيين في لبنان، وكيف تنتعش حملات الكراهية البغيضة ضدهم.

كرم الأردنيين ليست عبارة مجاملة، إنها حقيقة أصيلة يدفع الشعب ثمنها من رزقه ومستوى حياته، لكن مهما بلغ الحال فلن تجد أردنيا يواجه شقيقا عربيا بالشتائم أو العبارات العنصرية كما يحدث للكثيرين حول العالم. على العكس تماما ففي أغلب الحالات يصب الأردني غضبه على الحكومة التي لم تقم بواجبها في توفير الخدمة اللائقة، وينتقد البلديات، مع معرفته الأكيدة بضيق الحال وبمسؤولية اللجوء عن زيادة الأعباء، لكن منظومته القيمية والأخلاقية تأبى أن تلوم شقيقا فر بأطفاله لبلادنا ليحميهم من موت محقق.

لا مثيل للأردنيين في كرمهم وأخلاقهم.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات