اغلاق

مقاربة "التاجر الشاطر" والحياة الحزبية!


المطالع لمسودة النظام المعدل للمساهمة المالية للأحزاب التي أقرها مجلس الوزراء ونشرت مؤخرا، يمكن أن يخرج باستخلاص بأن الحكومة تعاملت مع الأحزاب بالمسودة وفق عقلية “التاجر الشاطر”، الذي يبحث عن بيع بضاعته بأعلى ربح ودون مراعاة لمصلحة الطرف الآخر، وحتى على حساب الهدف الذي يفترض أن النظام جاء من أجله!

كنا نتمنّى أن ينطبق منهج عقلية “التاجر الشاطر” بالعمل الحكومي على بعض العطاءات التي ثبت لاحقا وجود شبهات فساد بها ومبالغات بتقديراتها المالية، أو في “الترضيات” و”التنفيعات” التي تدور حول الشبهات بتعيين عشرات المستشارين من سياسيين وأكاديميين وإعلاميين برواتب كبيرة تفوح رائحتها سريعا، ومقابل خدمات لا تستحق بالكثير من الحالات قيمة هذه الرواتب، هذا إن توفرت الحاجة حقا لمثل هذه الوظيفة التي باتت تفصّل وتستحدث لمجرد الترضية وشراء الولاءات.

تفاصيل نظام المساهمة المالية للأحزاب والأبواب والقيم للدعم المالي التي حددها تنم عن أن واضعها ومُفصلّها خبير مالي متمرّس و”شاطر” لمشروع تجاري أو لعطاء حكومي، لكنه غير مناسب بهذه الحالة التي تحتاج لترجمة الرؤية السياسية المعلنة –كما يفترض!- بتنمية الحياة الحزبية والسياسية ودعم الأحزاب بهذه المرحلة الانتقالية ليس تمييزا للأحزاب والحزبيين بل لتحقيق المصلحة العامة بحياة حزبية قوية وفاعلة لا يستقيم العمل الديمقراطي والمشاركة الشعبية بدونها.

كنا نتوقع؛ بعد المخاض الطويل من الحوار حول النظام، أن يتم رفع قيمة مخصصات النفقات التشغيلية للأحزاب وعدم تعقيد شروطها، طبعا مع التأييد الكامل لشروط الرقابة الرسمية (ديوان المحاسبة) على صرف كل بنود المخصصات المالية القادمة من خزينة الدولة، فهل يعقل ألا يزيد المخصص بالدعم بهذا البند عن عشرة آلاف دينار سنويا مع ربطها باشتراكات الأعضاء المسدّدة، علما أن مخصصات الضيافة لمكتب وزير أو أمين عام وزارة قد تصل لأضعاف هذا المبلغ، فكيف بحزب نريده فاعلا يجتمع به اعضاؤه ومريدوه وتقام به الورش والندوات والاجتماعات!

أما بتفاصيل وشروط دعم الأحزاب بناء على المشاركة بالانتخابات، فالتعقيدات والرغبة بالتقليص و”التوفير” بالدعم تبدو فاقعة، ولا تلحظ أهمية التشجيع الحقيقي لمشاركة الحزب بالانتخابات. بل إنها تفاصيل وشروط ستحرم معظم الأحزاب من الدعم بحيث لن يستفيد منها سوى عدد من الأحزاب قد لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة، وحتى هذه المستفيدة فإن دعمها لن يجدي بتغطية ربما 10 % من انفاقها بالانتخابات، وهو أمر ينطبق أيضا على الحوافز المالية لتشجيع اندماج الأحزاب.

ثمة تفاصيل عديدة وبنود متشعبة بالنظام يصعب مناقشتها بهذه العجالة، لكن يمكن القول أنه بمحصلته ورغم وجود بعض البنود الإيجابية افتقد للروح المطلوبة من هذا النظام، وهي تشجيع العمل الحزبي والمساهمة الرسمية بتقوية عوده وقدرته على التطور وتمكين الأحزاب من استقطاب المؤيدين والمريدين ودعم قدراتها على المشاركة بالانتخابات وتحفيزها على الاندماج بأحزاب كبيرة.

ما يرسخ هذا الانطباع السلبي للنظام ويثير التشاؤم تجاهه هو أنه يأتي في سياق ترسخ بيئة غير صديقة للعمل الحزبي، رسميا وشعبيا، واستمرار العديد من التجاوزات والتضييقات الرسمية تجاه الأحزاب والحزبيين، ناهيك طبعا عن استمرار القصور والخلل في قانون الانتخاب، الذي يعد حجر الرحى لأي إصلاح حقيقي للحياة البرلمانية والسياسية والحزبية.

من المنصف هنا التأكيد على أن وزير التنمية السياسية موسى المعايطة، المعني ربما مباشرة بالعمل الحزبي ونظام تمويله، هو ابن شرعي للعمل الحزبي ونصير له بعد تجربة طويلة في الأحزاب، ولا يمكن التشكيك بإيمانه بضرورة دعم العمل الحزبي وتطويره وتمكينه من اخذ دوره الحقيقي بالحياة العامة، لكن –كما يبدو- أن حسابات وضع نظام المساهمة المالية كانت حسابات مالية ضيقة وغير مناسبة للهدف المطلوب!



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات