اغلاق

تحركوا قبل فوات الأوان


كان السفير الكويتي بعمان عزيز الديحاني دبلوماسيا ومهذبا حين أشاد بالمستوى الكبير الذي تمتاز به الجامعات ومؤسسات التعليم العالي في الأردن، منوها بأن هناك أكثر من 4 آلاف طالب كويتي يدرسون بمختلف التخصصات في الجامعات الأردنية.

بالتأكيد لن يقول السفير الكويتي أن حكومته اتخذت قرارا باعتماد 5 جامعات أردنية فقط لالتحاق طلبتها فيها، وألغت اعتماد 15 جامعة أخرى لضعف جودة التعليم بها، ولكن الشمس لا تغطى بغربال، والواقع المر أن التعليم أكثر ما كنا نتميز به وننافس به قد تراجع، وأصبح العديد من الجامعات مؤسسات تجارية ربحية بامتياز، تتسابق على استقطاب الطلاب ويقدم بعضها عروضاً مثل “المولات” دون أن تعطي اهتماماً لتطوير البيئة التعليمية والأكاديمية.

حين كان عندنا قبل عقود جامعتان –الأردنية واليرموك- كان التعليم في الأردن متميزا، والخريجون كانوا أفضل حالا، والآن تكاثرت الجامعات بشكل مفجع دون أن تختلف كثيرا عن المدارس، والتعليم في انتكاسة، وأسمع قصصا من أساتذة جامعات عن الحال التي وصلنا لها لا أصدقها.

الحقيقة إن واقع الجامعات امتداد لخلل منظومة التعليم في المدارس، ودون تغيير جذري في فلسفة التعليم في المدارس، فإن الأزمة ستبقى، والتعليم الجامعي سيظل “بريستيجا” اجتماعيا، وشهادة يسمونها “كرتونة” يحصلون عليها دون أن تنعكس على فهمهم للحياة، وتساعدهم على شق طريقهم المهني والعملي.

سنكرر ذات الكلام حين نقول التعليم في بلادنا ما يزال قائما على التلقين، والحفظ في زمن “جوجل” الذي لا يضاهي ذاكرته أحد، وما يزال أكثر الطلبة لا يملكون نسقا إبداعيا في البحث والتفكير النقدي.

حال التعليم مثل تراجع واقع الخدمات في الأردن، فعمان كان يُضرب بها المثل في التنظيم، والنظافة، وسهولة الحركة، وهوية المعمار، فهل نستطيع أن ندّعي الآن أن عمان ما تزال أكثر العواصم جذبا؟

حتى على مستوى المهن والحرفيين نواجه حالة انهيار في الثقة والقيم، فإن أردت تصليح سيارتك تظل مرتابا أن “الكهربائي” أو “الميكانيكي” ماذا سيفعل بها، وماذا سيخرب بالسيارة حتى تعود له؟

وينطبق الأمر على “معلمي الأدوات الصحية”، والدهان، وأكثر حتى لا نقل كل “الصنايعية” لا يتقنون الحرفة، ويلجؤون للغش والتدليس على حساب الزبون.

بصراحة لم نعد بيئة جاذبة للصحة، أو التعليم وحتى للسياحة، لأن تنافسيتنا تراجعت، وقيمنا التي كنا نعتز بها وأولها الصدق وتقديم الخدمة على أكمل وجه لم تعد السمة الأبرز لتعاملنا.

السياح يشتكون من الغلاء الفاحش، والمبالغة في الأسعار، والمرضى الذين يأتون للعلاج باتوا يشعرون بأنهم ضحية وسطاء وسماسرة، وسمعة الأردن تتعرض للإساءة من بعض المتاجرين في الميدان الطبي.

لم تتحرك الحكومات بالشكل الكافي لإعادة الاعتبار لصورة الأردن القادرة على تقديم أفضل الخدمات الطبية، وترسيخ مكانة ريادية في التعليم، وإغلاق الجامعات أو المستشفيات التي لا تحقق الجودة والمعايير اللائقة، وأيضا وضع حد للمطاعم التي تسرق “السياح” وحتى الأردنيين في وضح النهار، والحرفيين الذين يعبثون بممتلكات الناس دون رقيب أو حسيب.

إذا لم نتحرك الآن فإننا سنفقد قدرتنا على المنافسة وستزداد صعوباتنا، وحتى “أهل البلد” ستصبح الهجرة أول أحلامهم، وهذه ليست هواجس، بل ما كشف عنه استطلاع “البارومتر العربي” ونشرته الـ BBC، وجاء الأردن في مقدمة الباحثين عن الهجرة، وبلغت نسبة من يريدون الهجرة 40 بالمائة.

تحركوا الآن قبل فوات الأوان، وقبل أن تسبقنا الدول التي كنا “نضحك” على واقعها.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات