اغلاق

الغزو الثقافي والاعلامي ودور مؤسساتنا الوطنية


لا يخفى على أحد دور وخطورة وسائل الاعلام في وقتنا الحاضر، خصوصاً بعد ثورة الانترنت (الشبكة المعلوماتية) وانفتاح الفضاء لمئات القنوات التلفزيونية بالبث على أكثر من قمر صناعي لتغطي جزء كبير من الكرة الارضية، وفي بعض الاحيان كامل مساحة الكرة الارضية. ونتيجة لذلك فقد تغيّرت أساليب الحصول على معلومات، فلم يعد معلّم المدرسة أو الراديو أو مكتبة الحي هي مصادر المعرفة والمعلومات الوحيدة، فأصبح الطفل المراهق أو أي مستخدم يستطيع الدخول عبر العديد من الوسائط لمشاهدة ما يريد، والترفيه عن طريق المشاركة في الالعاب الالكترونية، أو البحث عن أي معلومة وذلك اما عن طريق أجهزة مختلفة متاحة للغالبية كالهاتف النقال والايباد أو اللاب توب، أو اجهزة الحاسوب المتاحة في الاماكن العامة كالمكتبات والدوائر المختلفة، أو حتى عبر مئات القنوات المتعددة في جهاز التلفاز المرتبط بالانترنت أو بالستلايت أو بكليهما.

وبالتالي تغيّرت قواعد التعليم ومصادر المعلومات التقليدية، وأصبح العالم قرية صغيرة تستطيع أن تطّلع على الأحداث في أي جزء منها خلال وقت قصير. وللأسف لم يواكب هذا التطوّر الهائل توعية حكومية أو تربوية أو أسرية تحمي الاطفال والناس من الأخطار التي تتضمنّها وسائل هذه الثورة المعلوماتية، فأصبح الكثيرون يتعرضون لأساليب أبتزاز وتحرش ونصب مبتكرة دونما حماية أو تنبيه من مؤسسات الدولة المتخصصة أو أولياء الأمور الذين في غالبيتهم يجهلون مضمون هذه التكنولوجيا ولا يعرفون أستخدامها، الا انهم يوفّرونها لأبناءهم رغبة في الهائهم والخلاص من الحاحهم ومشاكساتهم، أو أملاً في مجاراة تطورات الزمن لجني ما توفّره هذه التكنولوجيا من مكتسبات مستقبلية لهم، ومواكبة اجتماعية للتطور والتقدّم المحيط بهم.

ولا يعلم البسطاء من الناس ما يُحاك لهم من مؤامرات وغزو ثقافي عبر هذه الوسائط التكنولوجية والرقمية المتقدمة، وذلك من أجل تغريب المجتمع وطمس هويته الثقافية والدينية والقيمية، من خلال الالعاب الالكترونية التي تعزّز قيم الأعتزاز بالغرب وتؤثّر على أطفالنا وتساعد في أنحلالهم، أو من خلال الدراما والبرامج التلفزيونية الغربية التي تم تعريبها، فأصبحنا نرى الملايين يتابعونها عبر شاشات مختلفة يملكها أحفاد أبي رغال، وهمهم الأول هو الربح المادي وأشاعة الرذيلة بين أبناء الأمة وفصلهم عن دينهم وقيمهم وتاريخهم. ولا يجب أن يفهم القاريء بأنني ضد الحداثة والتطوّر ومواكبة العصر، ولكن يتوجب علينا أن نسخّر هذا التقدّم ووسائل التكنولوجيا للحفاظ على عاداتنا وتقاليدنا وصحة ومستقبل أبناءنا، وللترويج للقيم النبيلة التي تلاءم فطرتنا الانسانية وتحافظ على أطفالنا من الأدمان والانحلال وضعف الأرادة في مواجهة متطلبات وتحديات الحياة المختلفة، وتهيأهم بالمهارات اللازمة لكي يساهموا في صنع مستقبل ناحج لهم ولأبناءهم ولوطنهم.

وما رأيناه في العقدين الأخيرين من أنفتاح اعلامي وبرامج ومسلسلات وأفلام مختلفة دليل على صحة ما أوردت، ولاحظنا في الآونة الأخيرة مسلسلاً يخرج بممثلين أردنيين مراهقين، وكاتب نص من بين أبناء جلدتنا للأسف، يتلفظّون بألفاظ نابية وتصرفات مشينة أستفزت مشاعر الاردنيين وأصابتهم في أعزّ ما يملكون، واضافت سخطاً على سخط وغضباً على غضب، ليس فقط لأن هذا المسلسل لا يمثّلهم ولا يعكس صورتهم الحقيقية، وأنما لأنه أتى ليهدد اغلى ما لدى الأردنيين من ثوابت وقيم ومبادىء وأخلاق يعتزون بها. فبعد أن بقي المواطن الأردني تحت حرب الأفقار والتجويع لفترة تجاوزت العقدين من الزمان، أنتقلت حراب العدا لتحارب أعز ما يملك الأردنيون وهو أنفتهم وإباءهم وشرفهم.

وكان الأحرى بالهيئة الأردنية للأفلام ممارسة دورها المؤسسي في تبنّي المبدعين الأردنيين الحقيقيين التائهين في الارض وأنتاج أفلام ومسلسلات نابعة من تراثنا وعاداتنا وتقاليدنا، تحثّ على القيم والسلوكيات المرتبطة بحضارتنا وتاريخنا وثقافتنا بدل هذا الأسفاف والركوب في موجة الغزو الثقافي الغربي. لقد غابت الدراما الاردنية عن الساحة المحلية والعربية، وخفت بريقها بشكل كبير وبنسبة عالية الا من بعض الاعمال التي تنتجها بعض محطات التلفزة في دبي أو قطر والتي أستثمرت في بقايا مبدعي الدراما الاردنية. ولنا أن نستذكر الاعمال الابداعية الاردنية التي سادت في غالبية البلدان العربية في الثمانينات وبداية التسعينات من القرن الماضي، وكان نجومها الاردنيون يتمتعون بشهرة طاغية في العالم العربي، ومثّل الكثيرون منهم قدوةً طيبة للشباب العربي وما يزالون، كما كانت مصدر دخل مالي كبير جداً للبلد وللعديد من أبناء الوطن المتخصصين في العديد من مجالات الابداع التلفزيوني والدرامي والأدبي: كالكتابة والاخراج والتصوير التلفزيوني والتمثيل وغيرها. وبعد أن تم تهميش هذا القطاع الابداعي المهم، وقطع أرزاق العاملين فيه بفعل بعض الفاسدين الذين أستلموا المسؤولية عن المؤسسات الاعلامية في منتصف التسعينات، وهم الذين دمّروا هذا المجال بسوء ادراتهم وسرقاتهم ونهبهم، مما أدى لتصفية الشركة الأردنية للانتاج التلفزيوني والاذاعي، وهي التي لفظت الى ميدان البطالة آلاف العاملين الذين كانوا يعتاشون وأسرهم من أبداعاتهم وأعمالهم التي روّجت في معظمها للثقافة الأردنية الرصينة والأصيلة والنابعة من الثقافة العربية والاسلامية.

والخلاصة أنه من أجل زرع القيم والمُثل العربية الاسلامية النابعة من ثقافتنا ومعتقداتنا وتاريخنا الطويل كان لا بد من مواجهة الغزو الثقافي الغربي وموجة العولمة والانفتاح الاعلامي والمعلوماتي بطريقة تحفظ هويتنا الوطنية والقومية وقيم ديننا الحنيف، وتروّج لها من خلال ثلاثة محوري التعليم والاعلام؛ وذلك عبر تطوير مهارات الطلاب التقنية، واتباع سُبل الاستخدام الآمن والحماية اللازمة لعدم وقوع أبنائنا فريسة للقراصنة، وتحصينهم بالقيم السليمة لأختيار الأنسب والمفيد لهم من هذه التكنولوجيا كي يستفيدوا منها في مجالات الحياة المختلفة، وتعزيز مهارة الرقابة الذاتية، مع التركيز على الحفاظ على الهوية الوطنية والعقائدية للمجتمع من خلال محتوى المواد الدراسية وربطها بتاريخنا وقيمنا ومعتقداتنا. كما يجب توجيه وسائل الاعلام لتسليط الضوء على المنجزات الوطنية والترويج للقيم والمُثل النبيلة من خلال ابتكار برامج ترفيهية وثقافية مميزة، وتدريب كوادر بشرية مؤهلة قادرة على التعامل مع التطورات التكنولوجية المتسارعة، بحيث يعكس العاملين صورة زاهية للمواطن الاردني المثقف، ويمثّلون صورة المثل الصالح والقدوة الحسنة للاجيال الصاعدة؛ بدل بحث الكثيرون من أبناءنا في ظل ثورة الاعلام المرئي عن أفلام ومسلسلات من ثقافات مختلفة لعدم وجود البديل الوطني الملهم، وبالتالي يتابعون بشكل مكثّف أعمالاً من ثقافات متنوّعة قد يشكّل أبطالها في غالبية الاوقات قدوة سيئة لأبناءنا وبناتنا.

وأخيراً فإن من واجب مؤسساتنا الثقافية والاعلامية تقديم البديل الوطني المثالي الذي يعكس تاريخنا وثقافتنا ومعتقداتنا بشكل مناسب، ويكون مرآة لنقد التصرفات السيئة في مجتمعنا ومعالجتها، وتعزيز السلوكيات الأيجابية التي تحصّن أبناءنا ضد الأنحلال والضياع، وتنمّي فيهم روح الانتماء والأعتزاز بوطنهم وأمتهم، وتساعد على تشكّل هويتهم الثقافية والشخصية بصورة مميزة وسليمة.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات