اغلاق

التغيير الأصعب


في شهر رمضان المبارك وعطلة العيد تأخذك الحياة من زحمتها اليومية المعتادة إلى زحمة أخرى؛ تغوص بك في الجانب الاجتماعي شبه المسكوت عنه في المجتمع، لتكتشف كم أن الدنيا تتغير، واعباءها تتزايد، لكن دون أن يقابل ذلك تغيّرات اجتماعية تلحظ تزايد صعوبات الحياة وتتكيّف معها للتخفيف من أعباء ومعاناة الأسر والأفراد، وبما يمكنهم من القدرة على مجاراة التغيرات الاقتصادية والمعيشية والثقافية الكاسحة.

نتحدث هنا عن الجوانب الاجتماعية والتقاليد والعادات في منحاها السلبي، أو على الأقل جانبها المكلف والمجحف ماديا واقتصاديا ومعيشيا على الناس، وسط ترسخ هذه العادات والأعباء الاجتماعية ضمن حلقة شيطانية يصعب على الفرد والمجموعات كسرها والخروج عليها رغم ما تتركه من أعباء وكلف ومعاناة ترتد على الجميع.

الأمثلة كثيرة على مثل هذه العادات والتقاليد المستحكمة التي تزداد سطوتها رغم التراجع المعيشي والاقتصادي وتآكل الاجور وتزايد كلف المعيشة والركود الاقتصادي. في شهر رمضان الكريم، تبرز عادات التوسع بالإنفاق على الغذاء والشراب، وتترسخ مفاهيم مشوهة لصلة الرحم بإقامة ولائم عديدة وكبيرة لأقارب واصدقاء، تقتطع كلفها احيانا كثيرة من مخصصات الأسر لأساسياتها. وقس على ذلك قصة العيديات التي تستنزف جيوبا مستنزفة أصلا وتكاد لا تحوي ما يكفي أساسيات الأسر لباقي الشهر، لكنها طقوس وعادات لا يرحم المجتمع إن تم الاقتصاد بها أو تقنينها.

هي عادات وأعراف مجتمعية راسخة لا تختلف كثيرا في اعبائها عن عادات الجلوة العشائرية في جرائم القتل وغيرها، والتي يدفع ثمنها وعبأها ومعاناتها عشرات ومئات الأسر دون ذنب. وهي لا تختلف ايضا عن اتساع عادات اقامة الولائم في بيوت العزاء حتى لو كان أهل المتوفى فقراء وغير قادرين على تأمين كلف بيت العزاء، لكنها سطوة العادة والتقليد واستحكامهما في مجتمع لا يعرف كيف الخروج من هذه الحلقة الشيطانية.

لن نتحدث أيضا عن التقليد الأردني والعربي بإضاءة السماء بالرصاص الحي في الأفراح رغم ما خلفه ويخلفه من ضحايا ومعاناة لأبرياء، فهذه العادة رغم قساوتها وضحاياها مقبولة اجتماعيا بل وللأسف مجال للتفاخر واستعراض قوة الفرد والعشيرة.

قد يكون الكثير من العادات والطقوس الاجتماعية في شهر رمضان والعيد مقدورا عليها من شرائح عديدة في المجتمع قبل سنوات أو عقود، لكنها اليوم باتت عبئا كبيرا وثقيلا على الأغلبية وسط التراجع الاقتصادي والمعيشي وتآكل الدخول وارتفاع كلف الحياة، ما يفرض بحكم المنطق والحاجة حدوث التغيير الاجتماعي والوصول – بلغة السياسة- إلى تسويات اجتماعية تساعد المجتمع وأفراده على التكيف مع الأعباء المعيشية وتخفيفها قدر الإمكان، والحد من غلوائها على أوضاع الناس.

المشكلة هنا؛ في صعوبة وشروط التغيير الاجتماعي والذي يحتاج إنجازه إلى ما هو أكثر من جهود فردية وفزعات توعوية وتنظيرية لا تصمد كثيرا أمام سطوة وترسخ العادات والتقاليد بالمجتمع ولدى الفرد، وتجعل من عبء الخروج عليها مكلفا للانسان حتى لو اقتنع شخصيا بضرورة تغييرها.

شروط التغيير الاجتماعي قد تكون أعقد بكثير من التغيير في باقي المجالات وأوجه الحياة، خاصة وأنه سيجري في محيط اجتماعي عام وليس فرديا أو على مستوى الأسرة الصغيرة، ما يفرض بالتالي أن يكون التغيير والسعي له عملا جماعيا ومثابرا تقوده مبادرات مجتمعية واعية وصلبة ودائمة، ويتصدرها نشطاء وقادة اجتماعيون وعامون وبمشاركة شبابية واسعة قدر الإمكان.

التغيير الاجتماعي صعب للغاية ومكلف على المستوى الفردي من ناحية نفسية واجتماعية، ولكنه يصبح ممكنا ومقبولا إلى حد كبير إن كان بجهود جماعية ومبادرات مجتمعية، واعية وطويلة النفس وملتزمة بمصالح المجتمع وبحقه بالتقدم وتخفيف الأعباء عليه.. والله أعلم.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات