اغلاق

موت ٌغير مُعلن


بقلم: الدكتورة مجد خليل قبالين*

مع تعقُد حياتنا ودور التكنولوجيا في تحويل حتى مشاعرنا الانسانية الى افتراضية نبتعد تدريجياً عن الجانب الانساني والعاطفي لدينا ، وتقل صور واشكال التعبير عن تكافُلنا الاجتماعي كأفراد اتجاه بعضنا البعض واقعياً ، وتحول كل شخص فينا الى رقم ورمز يتم التعامُل معه عبر مواقع التواصل الاجتماعي في النظام الرأسمالي الضخم الذي نعيشه ، حتى مشاعرنا الانسانية فهي مُتقلبة ومؤقتة وآنية تتفاعل مع الموقف الراهن وتمتزج معه وسُرعان ما تتلاشى وتنتهي وننسى الموقف برمته.

وما خلفته التكنولوجيا من تباعُد بيننا جعلتنا نُفضل العُزلة على الاختلاط ورفعت من منسوب الأنا لدينا بشكل كبير وملحوظ ، واصبحنا نُفضِل مُصاحبة اشخاص من خلف شاشات على مُصاحبتهم في الحياة الواقعية ، لقد قربتنا التكنولوجيا الى بعضنا افتراضياً ولكنها ابعدتنا واقعياً عن بعضنا البعض .

ومن المُفارقات الغريبة والعجيبة جداً اننا اصبحنا نستطيع الوصول لأي شخص عبر مواقع التواصل الاجتماعي بسهولة دون عناءٍ او تعب ، ونتبادل الآراء ووجهات النظر ، ولكننا في نفس الوقت نشعر بالوحدة والاغتراب اكثر فاكثر وكأن التواصل عبر العالم الافتراضي لم ينجح في تقليل شعورنا بالاغتراب والوحدة ، وتحول الى احد اهم اسباب شعورنا بالوحدة والاغتراب ، الى جانب الخُذلان وخيبات الامل اللذان نعيشهما كل يوم بسبب الظروف والاوضاع الاقتصادية في اوطاننا وسوء الاوضاع السياسية والاجتماعية وتأزُم المنطقة العربية بالكامل مع ارتفاع مُعدلات البطالة والفقر بشكل غير مسبوق وشعورنا بحالة (الانومي اللامعيارية) : وهي الحالة التي تقل فيها قُدرة المُجتمع على التوجيه الأخلاقي لأفراده ، حيث وُضع المُصطلح لأول مرة من قبل عالم الاجتماع إميل دوركايم ، والذي وصف فيه تضاؤل التزام الناس بالمعايير إلى حدّ يتعطّل معه عملها ؛ فتُفضي بالمُجتمع إلى الفوضى، والصراع التناحُري، وارتفاع مُعدلات الجريمة والانحراف والانتحار، وقد تؤدّي إلى التفسُّخ والانحلال ، وكل ذلك يصاحبه شعور بالاغتراب عن انفسنا وعن اسرنا وعن اوطاننا خصوصاً عندما تخذلنا اوطاننا وهذا الخذلان يتمثل برموز السلطة الفاسدة فيها والتي تحتكر فُرص العمل والثروات وراس المال لها ولأبنائها ؛ فزاد ذلك من حالة الصراع والتناحر بين الحاكمين والمحكومين وزاد من حِدة الصراع بين شرائح المُجتمع ، ومع زيادة الصراع الذي يقوم على مبدا محاولة الغاء الآخر وسحقه بالكامل زاد ذلك بشكل غير طبيعي من درجة الانا وزاد من القيم الفردية الى درجة انه قد طمس قيم الجماعة ، فحتى النظام العشائري بات يتفكك شيئاً فشيئاً ولم يعُد يقوم بدوره الاجتماعي مُقارنةً بالماضي.

ان كل ما نمُر به من تحديات وظروف صحيح اننا نتجاوزه ولكننا ندفع ثمن هذا التجاوز والذي هو بالأصل تم بطريقة غير صحيحة وعلى حساب انسانيتنا ، وضريبته من صحة قلوبنا وعلى حساب عواطفنا ومشاعرنا الانسانية وكأن الحياة باتت تُعلمنا القسوة رُغماً عنا ، وكُل ذلك اصبح يقتل كل شيء جميل فينا ، فقل التسامُح ، وقل التكافُل ، وقل الصدق ، وقلت الثقة والأمانة ، وقل شعورنا بالمُتعة في الحياة ، وقل تقديم التضحيات والتنازُلات التي من شأنها ان توفر حياة سعيدة لنا ومستقرة خصوصاً في مؤسسة الزواج ، وقل شعورنا بالسعادة وكأننا تحولنا الى رُكام او جسد بلا روح ، نحن في زمن قلت فيه القيم الانسانية بشكل ملحوظ وتلك القيم هي التي تُذكرنا بإنسانيتنا بالرغم من توفر وسائل تعزيز تلك القيم ، ومع زيادة اختفاء تلك القيم وصلنا الى مرحلة....

الموت غير المُعلن الذي يحصل رُغماً عنا ، وهذا النوع من الموت الحياة نفسها التي نعيشها هي التي تسقيه لنا بتحدياتها ومصاعبها ومشاكلها وهمومها وانانية افرادها ، فكم هو غريب جداً ان نعيش في زمن الحياة فيها هي التي تجلب لنا......

الموت غير المُعلن
فهل يجتمع الموت والحياة معاً في نفس الثوب !
لقد اسميته بالموت غير المُعلن ؛ لأننا نحن اصلاً لا نُصرِح به ؛ لأننا في الحقيقة نظن اننا طبيعيون ، نعيش اعراضه وتفاصيله ولكننا لا نعرف انه موتٌ غير مُعلن ، ولأنه موتٌ مُخادِع نعيش الآمه وهمومه ولكننا لا نعرف انه اصلا موت كالسارق الذي يدخُل بيتك ولا ينير الاضوية ويُفضِل ان يجعلك تشعر بعدم وجوده اساساً ، فالموت لا يعني فقط ان تتوقف اعضاء جسمنا عن العمل ، هُنالك موتٌ نفسي وعاطفي وانساني وروحي وعقلي نمر به وكل يوم يزداد ويرتفع لدينا .

فمُجرد ان تشعر ان حياتك عبء ثقيل عليك.....
ومجرد ان تشعر بانك تتمنى ان تنتهي الحياة......
ومجرد ان تفقد المتعة بحياتك مهما حاولت ان تفعل.....
ومجرد ان تشعر انك تعيش في وسط اجتماعي منافق وكاذب......
ومجرد ان تعتاد على فكرة ان يخذلك ويخونك ويجرحك احدهم وكأنها من متطلبات المرحلة التي نعيشها.....
ومجرد ان تفقد حتى رغبتك بالكلام وتفضل الصمت مهما كان واقعك مستفز للحديث والكلام والبوح بوجهة نظرك..........
ومجرد فقدانك الشعور بالأمان........
ومجرد ان تشعر أنه لم يعد هنالك من يحتويك ويقبلك كما انت بعفويتك تارة وجنونك تارة اخرى الا بلبس قناع يعجبه ويسره..........
ومجرد شعورك بتقدم عمرك النفسي والعقلي على عمرك الحقيقي وعدم سيرهما في خطان متوازيان...........
اعلم انك اذا وصلت لمرحلة شعرت فيها انك تعيش على مضض لأنك ولدت رُغماً عنك ، ولا تشعر بالرضا عن نفسك وعن حياتك وعن واقعك الاجتماعي ، واعتيادك على كل ماهو سلبي تحت ذريعة انه من متطلبات المرحلة المعاشة فأنت وصلت حقاً الى مرحلة...................

الموت غير المُعلن
فكم من فرد فينا يشعر بنوبات أعراض الموت غير المعلن سواء للحظة ام ليوم ام بشكل دائم!

*دكتوراه علم اجتماع / علم جريمة



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات