اغلاق

الزواج الهروبي .. إبرة بنج خطيرة لمشاكلنا ومخاوفنا


بقلم: الدكتورة مجد خليل القبالين*

تُعتبر ثقافة الهروب عموماً مؤشراً على فشل الانسان في التعامل مع محيط اجتماعي غير قادر على التأقلُم داخله ، ومؤشِراً على فشل الانسان في مواجهة مشاكله وحلها ، وهذه المشاكل وهذا المحيط الاجتماعي يُشكلان معاً المخاوف التي يُعاني منها الانسان ويسعى للهروب منها بكافة الطُرق حتى لو كان ذلك من خلال طُرق غير سليمة وقد تخلق له مخاوف ومشاكل اكبر وهذه المخاوف تعتبر مخاوف مشروعة بمعنى أنه من الطبيعي جدا ومشروع جدا ان تتكون لدى الإنسان وخصوصا الفتاة ، ولكن غير المشروع وغير الطبيعي عندما يتم التعامل مع تلك المخاوف بطرق أصلا غير مشروعة وغير طبيعية تسبب الدخول بمخاوف أكبر حجما من سابقتها.

ويُسمى بالزواج الهروبي ؛ لأن الدافع الاساسي والوحيد له هو الهروب ، تتنوع فيه المخاوف ولكن الهروب واحد ، حيث ان الفتاة تُقدم عليه وتتزوج بدافع الهروب من مخاوف تشعر بوجودها بالرغم من ان تلك المخاوف قد لا تكون حقيقية ابداً وقد تكون وهمية وتم اقناع الفتاة بوجودها وتم إقناعها بها من قبل المُقربين لها وخصوصاً الام او حتى الاب ، وعلى الاغلب تكون تلك المخاوف من الأُم ؛ لذلك فان الفتاة احياناً تُقدِم على الزواج الهروبي استجابةً لمخاوف موجودة لدى افراد مُحاطة بهم ينسجون لها تلك المخاوف ويقنعوها بها ولا تكون مخاوف شخصية موجودة لديها هي ، ويتم زرع بذور ثقافة الخوف داخل الفتاة اتجاه تلك المخاوف واقناع الفتاة ان الحل الوحيد لتلك المخاوف والتخلص منها هو الهروب ويكون هذا الهروب على شكل زواج تم بالدرجة الأولى على معيار الخوف والرغبة في الهروب من ذلك الخوف ، وليس على اساس اعتبارات أخرى اكثر اهمية مثل كفاءة المتقدم للزواج وقدرته على تحمل المسئولية ، ويتم الزواج الهروبي دون الأخذ بعين الاعتبار فكرة الهروب الى اين ، ويكون التركيز مُنحصِر فقط بموضوع الهروب من اين وليس الهروب الى اين ، لذلك تشعر الفتاة وتقتنع بفكرة ان المُشكِلة الوحيدة لديها هي بقائها عزباء دون زواج ووجودها مع أسرتها.

يُعتبر كل من الخوف والهروب وجهان لعُملة واحدة في موضوع الزواج تحديداً حيث ان فكرة الهروب دائماً مُلازِمة لفكرة الخوف ؛ لان الخوف دائماً يتبعه محاولة الهروب من ذلك الخوف ، واكبر مُشكِلة قد تُدمر الانسان هي الخوف من مواجهة مخاوفه والهروب منها ، ومحاولة علاجها بمشاكل اكبر قد تخلق مخاوف اكبر لم تكن موجودة لدى الفرد وتتضاعف في حجمها عن المخاوف السابقة لديه.
ومن اهم المخاوف التي تشعر بها الفتاة وتدفعها للإقدام على الزواج الهروبي وقد تكون تلك المخاوف نابعه من داخلها ، ام تم برمجة عقل الفتاة على تلك المخاوف من قبل المُحيطين بها من خلال التفكير بالعقل الجمعي :

- الخوف من شبح العنوسة وان يفوتها قطار الزواج وانتقاد الناس لها ، وهذا النوع من المخاوف يتم غرسه في عقل الفتاة من خلال العقل الجمعي الذي يُحيط بالفتاة ويتمثل بأمها واخواتها بالدرجة الاولى ، ثم اقاربها من اهل والدتها واقاربها من اهل والدها ، ومن خلال صديقاتها خصوصاً اذا كانت تسمع وتعرف ان صديقاتها او بنات جيلها اغلبهن تزوجن ، وأيضاً من الثقافة المُجتمعية السائدة وقيام المُجتمع بتحديد سن مُعين للزواج وسن مُعين تبدأ عنده مرحلة العنوسة لدى الفتاة ، ويزيد هذا النوع من المخاوف لدى الفتاة غير الواعية والتي لا تمتلك شخصية مُستقِلة وتُفكِر بعقل غيرها وتنجرف للعقل الجمعي وتنتظر المُقربين لها ليفكروا عنها ويقرروا عنها وينظموا لها حياتها بالطريقة التي تُناسبهم.

- الخوف من الوِحدة ، وهذا النوع من المخاوف ناشئ من نقطة اساسية وهي ان سن العنوسة هو نفسه السن الذي يكون فيه الأهل ضعفت صحتهما ونفسه السن الذي يبدأ فيه افراد الاسرة بالخروج من البيت خصوصاً اذا كانت الفتاة هي اصغر فرد في العائلة ولها اخوات تزوجن.

- الخوف من الشعور بالندم ، وهذا النوع من المخاوف نابع من الفتاة بتأثير المُقربين لها حيث يتم اقناعها بفكرة انها سوف تندم اذا رفضت عريس تقدم لخطبتها حتى لو كان فعلياً غير مُناسِب لها كزوج.

- الخوف من عدم اشباع غريزة الامومة لدى الفتاة ، وهذا النوع من المخاوف نابع من الفتاة نفسياً وعاطفياً ، وتكون الفتاة في هذا النوع من المخاوف لديها رغبة كبيرة بأن تُصبِح أُماً ، وتُريد ان يكون لديها امتداد وذرية دون الاهتمام في بعض الاحيان بالشخص الذي تُريد ان تكون اماً عن طريقه ، فإذا كان هدف الفتاة فقط ان تُصبح أُماً دون الاهتمام بالرجل فسوف ينتهي دور الرجل بالنسبة لها بمُجرد ان تُنجب الطفل وتعتبره غير موجود ، وهذا بحد ذاته يتبعه حدوث مشاكل زوجية مُستقبلاً قد تتطور للطلاق تتمثل في إهمال الفتاة للزوج واعتباره غير موجود ، فتلجأ الفتاة للزواج الهروبي لأنها الطريقة الوحيدة التي تستطيع من خلالها ان تُصبِح اماً وتمتلك طفلاً على اعتبار اننا مُجتمعات عربية مُسلِمة مُحافِظة والزواج هو الطريقة الوحيدة التي تستطيع من خلالها ان تُصبِح اماً ، عكس المُجتمعات الغربية التي تستطيع فيها الفتاة ان تمتلك طفلاً دون وجود الرجل بشكل مُستمر ، بل قد يقتصر وجود الرجل في الفترة التي تُريد فيها الفتاة ان يتم اتخاذ الإجراءات البيولوجية والتي يتم خلالها تلقيح البويضة ليحدث الحمل.

- الخوف من البقاء مع اسرتها بسبب وجود مشاكل وعدم قُدرتها على التأقلُم مع تلك المشاكل او تعرُض الفتاة للتعنيف والضرب وسوء المُعاملة من قبل احد افراد اسرتها او جميعهم ، وهذا النوع من المخاوف له ايجابية ان الفتاة بعد انتقالها لبيت الزوج سوف تتمسك بزوجها اكثر ويزيد شعورها بالانتماء للزوج خصوصاً اذا وفر لها الزوج اجواء اسرية كانت محرومة منها في بيت اهلها وعجزت اسرتها عن توفيرها لها ، واذا احسن الزوج مُعاملتها وقام بتعويضها عن كل ما كانت محرومة منه في بيت اهلها وبالتالي سوف تبذل الفتاة كل جهودها للتفاهم والتأقلُم مع الزوج حتى لو كان لديه طباع لا تعجبها ؛ لأنها لا تُريد حصول المشاكل والطلاق والرجوع لنفس الاجواء التي هي بالأصل تزوجت هروباً منها وكانت دافعها الأساسي للزواج.

ان جميع انواع تلك المخاوف قد تُنتج وبنسبة كبيرة جداً زواج غير صحيح وسليم قد ينتهي بمشاكل وحياة زوجية عاصفة بالمشاكل وغير مُستقرة ؛ لأن دوافع الزواج من الأساس بُنيت على مخاوف ولم تُبنى على اهداف صحيحة وسليمة تقوم على مبدأ الرغبة بالاستقرار وتحقيق المودة والرحمة مع شريك حياة مُتفهِم ومُناسب للفتاة ، الى جانب ان الانسان عموماً والفتاة خصوصاً اذا كان مُحاطاً بظروف سيئة وكان عاجزا عن التأقلُم مع تلك الظروف وحل مشاكله سوف يتخذ قرارات غير صحيحة ويخطو خطوات غير محسوبة ويحل مشاكله بمصائب ومشاكل اكبر.

لذلك فمن المُهم جداً ان نتعلم جميعنا كيف نواجه مخاوفنا مهما كانت ونتعامل معها ، فالكثير من الاشخاص وقعوا ضحايا لمخاوفهم ولفشلهم في التعامل مع تلك المخاوف ومواجهتها وايجاد حلول لها وهذا ناتج عن الجهل ، وعدم الوعي وضعف خبرات الحياة لدى الفرد.

ويترتب على الزواج الهروبي :

- اختيار شريك حياة غير مُناسب.
- البدء بمشوار المشاكل الاسرية مع الزوج ، وعدم القُدرة على حلها والتعامُل معها.
- حصول الطلاق العاطفي الذي يعُتبر طريقاً مُمهداً للطلاق الرسمي الذي يتم في المحكمة إذا لم يتم علاجه.
- الرجوع الى المكان الذي هربت منه الفتاة باسم مُطلقة واعتبارها اجتماعياً امرأة مُستهلكة مع انخفاض الفرص للهروب من جديد مع شخص اخر تحت مُسمى زواج.
- تلقي المُعاملة السيئة من قبل الأهل في حالة رجوع الفتاة لهم مُطلقة خصوصاً انها في الاصل تزوجت هروباً منهم.

وفي النهاية فانني اختم مقالي بمثل شعبي متداول يقال فيه باللهجة العامية المحكية.......
بتروح السكرة ......وبتيجي الفكرة

يا حواء....................
قبل ان تُفكري بالهروب والخروج من جو ومُحيط اسري يُزعجكِ فكري بالشاطئ الآخر وهو الى اين انتي تهرُبين تحديداً ، فقد يكون المكان الذي تودين الهروب (له) جحيم بالنسبة للمكان الذي تودين الهروب (منه) ، وتكتشفين انكِ تودين الهروب من مكان اشبه بالجنة بالنسبة للمكان الذي تُريدين الهروب اليه ، فلا تتخذي قرارات مصيرية وانتي تحت تأثير ضغوطات نفسية واجتماعية وعاطفية لأنكِ ستدفعين الثمن.

فكري............ الى اين تهرُبين قبل ان تُفكري من اين تهرُبين حتى يكون الهروب دائم ومُريح وفي مكانه الصحيح والسليم ، ويكون هروب دائم من مخاوفك وليس هروباً مؤقتاً من تلك المخاوف او هروباً يخلق لكِ مخاوف اكبر من مخاوفكِ السابقة وبنج تأثيره لفترة قصيرة جداً ، فحتى المكان الذي تودين الهروب اليه لا يخلوا من المشاكل ولكن الامر نسبي فقط.

إن تعلُم مهارات مواجهة المخاوف وحلها بشكل صحيح وسليم يُساهِم في علاج العديد من مشاكلنا والتعامُل معها ...

لا تتعامل مع إبر البنج والمُضادات الحيوية لحل مشاكلك النفسية والاجتماعية ؛ لأنها فقط مُخدِر موضعي ومؤقت لموضع الألم ، إنها تخمد الألم ظاهريا ولفترة مؤقته ولكنها لا تمنع أبدا زيادة نمو وتضاعف حجم ذلك الألم.

*دكتوراه علم اجتماع / علم الجريمة



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات