اغلاق

لماذا فشل ترامب في تشكيل حلف الناتو العربي ؟


لا يعرف تحديدا كيف بدأت فكرة الناتو العربي وهي ليست المرة الأولى التي يطرح فيها مقترح من هذا النوع حيث يردها البعض لحقبة الرئيس بارك اوباما الذي جمع للمرة الأولى قادة الدول الخليجية في كامب ديفيد واتفق معهم على عقد اجتماعات دورية والعمل المشترك لخلق جبهة واحدة متحدة لمواجهة الإخطار المشتركة سواء كانت إيران أو التنظيمات الإرهابية وهنالك من يصرح دون ظهور اعلامي بان المبادرة وفقا لوثيقة سرية مسربة من البيت الأبيض اقترحتها السعودية للمرة الأولى عام 2017 وتهدف إلى مواجهة إيران والحد من نفوذ روسيا والصين المتزايد في المنطقة لكنها اليوم تتكرر كمحاولة أمريكية جديدة مستبعدة النجاح لاستصدار نسخة عربية مشابهة لحلف شمال الأطلسي من خلال إبرام تحالف رسمي مع حلفاء خليجيين وعرب أو ما عرف اصطلاحا "بالناتو العربي" للحلفاء المسلمين السنة والذي أُطلق عليه مؤقتاً اسم " تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي " أو اختصارا بكلمة "ميسا " والمأمول أن يشكل حصناً في مواجهة العدوان والإرهاب والتطرف الإيراني حسب أبجدياتهم ويرسي السلام بالشرق الأوسط كهدف مزعوم في حين يرى الكثيرين إن هذا الحلف جاء في كل غاياته لمصلحة واشنطن وسيزيد من التوتر في كل المنطقة بين الولايات المتحدة وحلفائها والقوة المذهبية الشيعية ومناصريها والممثلة في إيران .

وإمام تلك الرغبة الأمريكية غير البريئة عجزت إدارة ترامب في ظل الظروف الراهنة للدول العربية في لم شملها وتحقيق الانسجام والمصالحة فيما بينها لإنجاح هذا المشروع غير القابل للحياة تماما كما أخفقت في الماضي مبادرات ومعاهدات مماثلة من جانب حكومات أمريكية سابقة في إنشاء أحلاف قديمة كحلف بغداد الذي لم يستمر طويلاً وهي اليوم اشبه بمحاولة استعراضية من الرئيس ترامب في استغلال التناقضات والضعف والخلافات في العلاقات بين الدول العربية والإسلامية بما يضمن له حصد مزيد من النفط وعائداته وتخفيف الأعباء الاقتصادية والعسكرية على امريكا وتحميل الشركاء والحلفاء أكبر قدر ممكن منها حسب وعوده الانتخابية المعروفة وهو وسيلة ابتزاز جديدة للاستحواذ على مئات المليارات من الدول الخليجية تحت ذريعة تعزيز قدراتها الدفاعية استعدادا للحرب ضد إيران .

وأن تشكيل الناتو العربي أو الإسلامي كحلف أمني وسياسي جديد يتكون من بعض دول الخليج ومصر والأردن بهدف التصدي للتوسع الإيراني في المنطقة وتعزيز التعاون مع تلك البلدان بخصوص الدفاع الصاروخي والتدريب العسكري ومكافحة الإرهاب وقضايا أخرى مثل دعم العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية الإقليمية حيث طرحت الفكرة بشكل مباشر في خضم زيارة ترامب التاريخية للرياض وانعقاد ما عرف حينها بالقمة العربية الإسلامية الأمريكية وهو حلف ذو صبغة طائفية موجه أساسا للمسلمين السنة لمواجهة إيران الشيعية مما يعني بشكل واضح التأسيس لبدء مرحلة صراع واقتتال سني- شيعي يساق فيها بعض الأشقاء الخليجيين والعرب المشاركين إلى حرب إقليمية طاحنة سيكونون حطبها والممولين لها والمغامرين في الدخول بمواجهات لا علاقة لهم بها حيث يريد ترامب ترك بعض حلقات صراعات الشرق الأوسط للقوى العربية الحليفة .

ولا يزال يضغط للمضي قدما في انجاز الحلف رغم المخاطر الكبيرة التي يحملها ووجود العديد من المشاكل
التي تواجهه والتي تتمثل في معارضة شديدة من بعض الدول العربية المشاكل للتعامل معه او الانضمام اليه وأن دول مجلس التعاون الخليجي لديها علاقات مختلفة مع إيران ففي الوقت الذي اتخذت السعودية والإمارات موقفاً متشدداً تجاه طهران فإن الكويت وقطر وعمان تريدان علاقات أفضل معها وأن الأزمة بين السعودية والإمارات مع قطر والتي أفضت إلى فرض المقاطعة دفعت بالأخيرة إلى التقارب أكثر مع إيران وتركيا ومن المعلوم انه منذ عام 2017 دخلت دول المنظومة الخليجية أزمة دبلوماسية أثرت سلباً على التعاون الأمني والدفاعي بين تلك الدول في الوقت الذي تتهم واشنطن والرياض وأبو ظبي إيران بزعزعة استقرار المنطقة وإثارة الاضطرابات في بعض البلدان العربية من خلال وكلاء لطهران فضلا عن تهديدها المستمر والمتزايد لإسرائيل .

وفي ضوء الواقع المتناقض تتبادر للأذهان تساؤلات عدة أبرزها ما هي واقعية تشكيل الناتو العربي في ظل الخلافات التي تحكم علاقات عدد من الدول العربية وهل تنجح واشنطن بإيجاد مثل هذا التحالف في الوقت الراهن غير الملائم وما الشكل المتوقع له وهل هنالك حاجة ضرورية لوجوده وللحقيقة فانه من خلال متابعة الواقع العربي فإن إمكانية نجاح هذه الفكرة تبدو صعبة للغاية والأصعب هو محاولة جمع الدول العربية تحت غطاء عسكري موحد بدليل الخلافات الداخلية الموجودة في مجلس التعاون الخليجي وبعض الدول العربية مما يوجب حل هذه الخلافات كخطوة أولى تسبق تشكيل أي تحالف وان تجاهل الحلف المزمع تأسيسه للخطر الصهيوني هو أحد أهم العوامل التي ستؤدي إلى فشله وحلف كهذا لن يكون له دعم شعبي كبير خصوصا في مصر والأردن .

وقد ثبت انه من المستحيل أن يجمع "ميسا" أو النسخة العربية لحلف الناتو البلدانَ العربية في اتفاقية مشتركة على غرار اتفاقية حلف شمال الأطلسي والتي تنص ( على أن أي هجوم على أي من أعضائها يعتبر هجوماً على جميع الأعضاء الآخرين ) وفي ضربة غير متوقعة لمساعي إدارة الرئيس دونالد ترامب في توقيع معاهدة أمنية وسياسية واقتصادية ضد إيران انسحبت مؤخرا مصر من الجهود الأميركية لتشكيل الناتو العربي وقد أثر الغموض المحيط بما إذا كان الرئيس ترامب سيفوز بولاية ثانية واحتمال أن يتخلى من يخلفه عن المبادرة واعتبرا عاملان ساهما في التقليل من مستوى الحماس والرغبة في الانضمام للحلف المنتظر إضافة إلى مغادرة بعض المسؤولين المشرفين على التخطيط لمشروع إنشاء الناتو العربي مثل أنتوني زيني الجنرال البحري المتقاعد الذي استغله ترامب لقيادة محادثات بناء التحالف ومبعوثه لحل الأزمة الخليجية فضلا عن ان الانقسامات بين الدول الخليجية قطر من جهة والسعودية والإمارات والبحرين من جهة أخرى أدت إلى تعثر الجهود الرامية إلى إنشاء هذا التحالف فقد أكدت الدوحة أنها لا يمكن أن تتبنى مثل هذه الفكرة في الوقت الذي تتعرض فيه لحصار تفرضه دول خليجية أخرى وهناك دولاً عربية تقاوم بقوة مطلقة فكرة ضم إسرائيل إلى هذا التحالف خاصة وان البعض يربط ون بين فكرة الناتو العربي وملف التطبيع الخليجي مع إسرائيل ويعتبرونه بابا خلفيا تتغلغل منه إسرائيل في المنطقة ويعتقدون ان إدارة ترامب تسعى من خلال آلية الناتو العربي الى التقريب بين إسرائيل والدول الخليجية لما يجمعها من هدف رئيسي يتمثل في مواجهة إيران وان هناك ضغوطا قوية من الإسرائيليين للانضمام إلى التحالف .

وهنالك ايضا اختلاف كبير وتناقضات جوهرية حول تحديد مصادر التهديد والخطر حيث تعتبر ثلاث دول إيران الخطر الأساسي وهي السعودية والإمارات والبحرين وهي التي تدعم المبادرة الأمريكية بزخم وافر وعلى النقيض لا تؤمن بقية دول التحالف المنتظر بأن إيران تمثل الخطر الأول عليهم إضافة الى انخفاض مستوى الثقة المتبادلة بين الدول الأعضاء أما مصر والأردن فهما أقل تخوفا من النفوذ الإيراني وتتركز أولوياتهما الخارجية على قضية الصراع العربي الإسرائيلي .

وحسبما صرح وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس 26 تموز 2018 في وزارة الدفاع البنتاغون ان الهدف لا يزال تغيير سلوك إيران في الشرق الأوسط ( نريدهم أن يغيروا سلوكهم فيما يخص عدداً من التهديدات التي يمكن أن يشكلها جيشهم ومخابراتهم ومن ينوبون عنهم ووكلاؤهم ) وحتى الساعة لم تتبنى الولايات المتحدة أي سياسة لتغيير النظام في إيران أو دفعه للانهيار .

إن فكرة قيام ناتو عربي لمواجهة إيران انطلقت بحماسة شديدة ثم ما لبث أن بدأت في التلاشي شيئا فشيئا وقد فقدت بريقها وقوتها وأضحت مستحيلة وان رغبة ترامب هذه من شأنها أن تؤدي إلى زيادة عدم الاستقرار في الشرق الأوسط وإلى مزيد من الفوضى في المنطقة وربما يصبح هذا الحلف الجديد يشبه بصورة أكبر تلك التحالفات الأوروبية في مرحلة ما قبل الحرب العالمية الأولى والتي دفعت أوروبا لخوض حروب ونزاعات داخلية لم يُشهد لها مثيل من قبل وبهذا الحلف الذي لا يزال لم يرى النور سيصبح لواشنطن قوتان عسكريتان ستوظفهما بطبيعة الحال ضد من تصفهم بالأعداء في منطقة الشرق الأوسط وفق المصالح الأمريكية المتغيرة .

وأخيرا

نؤكد ومن باب احتراف امريكا في صناعة العدو وتحويل قبلة الصراع والمواجهة أن إيران ووفق احدث الدراسات تعاني وضعا اقتصادياً حرجا وتعيش حالة من الفوضى والاضطرابات السياسية الداخلية وتفتقر إلى جيشٍ تقليدي فعال وإنَّها بوضوح لا يمكن أن تشكِّل تهديداً خطيراً لأميركا أو حلفائها ورغم ذلك فإن إدارة دونالد ترامب مصرة على تشكيل تحالف عربي جديد ناتو عربي ( تضاعف من خلاله مبيعات السلاح ) غير متطلعة الى النتائج والمخاطر ومن المهم ان نستذكر في هذا السياق إن منطقة الشرق الأوسط كانت على الدوام مقبرة للتوقعات الأميركية إذ أدت عقود طويلة من التدخل العسكري إلى نتائج عكسية وغالباً إلى تبعات كارثية حيث فجرت واشنطن الاضطرابات في العراق وليبيا وكان لذلك أثر مدمر وتدخَّلت في الحربين الأهليتين في لبنان وسوريا دون أن تحقق نتائج طيبة و أن هذا التحالف إن وجد على ارض الواقع قد يقود دول الخليج إلى " حرب إقليمية عظمى " تستنزف قدراتها وإمكاناتها حين تصبح تحارب الآخرين بالوكالة عن امريكا وسياساتها التوحشية الخاطئة .

mahdimubarak@gmail.com



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات