اغلاق

روما والمتناقضات الجميلة .. ؟!


كنت في روما في أحد أيام صيف عام (1982)، وكان معي مجموعة من الأصدقاء، وزملاء الدراسة؛ أحدهم من البندقية، وهي مدينة بحرية مشهورة جداً بمراكبها، ومياهها، ومتاحفها، ويؤمها السياح من جميع أنحاء العالم، والآخر من منطقة ريفية تدعى أومبريا، ويتبع لها بعض القرى الكبيرة أو المدن الصغيرة المتخصصة في تعليم الأجانب اللغات، منها؛ منطقة بيروجا التي يوجد فيها أقدم الجامعات الإيطالية الخاصة بتدريس اللغة الإيطالية، وهذه الجامعة يجب أن يدرس فيها كل طالب يذهب الى إيطاليا وخصوصاً العرب، فهي ملتقى لكل الجاليات، ويوجد فيها خليط من البشر والأديان، ويمكن اعتبارها المدينة الإيطالية الوحيدة التي تجد فيها المسلم، والمسيحي، واليهودي، وغيرها من الجنسيات والأعراق.

جامعة بيروجا للأجانب يمكن أن تجد فيها بروفيسور أو بروفيسورة يهودية تدرس طلاب عرب، أو نصراني يُحاضر بمسلمين، كذلك يمكن أن تدخل أحد محلات بيع الملابس أو المطاعم فيخدمك يهودي وأنت لا تعلم أنه يهودي (ملعون والدين)، أحيانا؛ عندما يعلم الطالب أن الذي أشرف على صناعة الوجبة هو شخص يهودي، يرفض تناول الطعام، ويلقيه في سلة المهملات حتى بعد أن يدفع ثمنه.

أذكر أنني وزملائي من اليمن الشقيق دخلنا أحد مطاعم بيع اللحوم، واخترنا لحم الخنزير دون أن نعلم أن اللحم المطلوب هو لخنزير، فالمشهد جميل، ولون اللحم وردي فتم الإختيار، لكن صاحب المحل وبعد أن دفعنا ثمن الساندويتشات قال لنا بخبث شديد، أنتم عرب، فقلنا له، نعم، قال هذا لحم خنزير، فألقينا الطعام في سلة المهملات وخرجنا ونحن نشتم.

في روما دخلنا لشراء بعض الملابس، وكان صاحب المحل من اليهود الأشكناز، تحدث معنا بالعربية وقد أوقعنا في مفاجئة لا نحسد عليها، قال لنا، لماذا تغيرت وجوهكم، نعم أنا يهودي، اليوم تخافون من مجرد الوقوف والتحدث معنا لكن سيأتي اليوم الذي توافقون على مجالستنا، وتناول طعامنا، فقلت له، هيهات أن تتحقق أمنياتكم، ستبقون أعداءنا الى أن يرث الله الأرض وما عليها.

كنا أطفال لا ندري ما الذي يدور حولنا، وماذا يحيط بنا، ولا نعرف ماذا ستصنع السياسة بمنطقتنا العربية، والى أين ستأخذنا...؟

في روما هناك شيء اسمه الجيتو (ghetto)، وهو؛ المنطقة التي انعزل فيها اليهود، وضُرب عليهم سياج شائك حتى إذا ما أرادوا الخروج يخرجون من بوابة وحيدة مفتوحة لهم في النهار ويغلقونها عليهم بعد السادسة مساءً، وبقيت هذه الأحياء الى يومنا هذا حتى يصوروا للعالم مدى معاناة اليهود خلال وجودهم في معتقلات اجتماعية اسمها الجيتو، أو أحياء اليهود، وكل ما يحيط بها من مراكز تجارية لا تقدر بثمن يملكها اليهود، إذ بالرغم من أنهم كانوا يعانون من الظلم والقهر والاستعباد في الغرب إلا أنهم استفادوا من وجودهم في المناطق التي سكنوها وكانت بمثابة السجون بالنسبة لهم، صارت تشكل قوة اقتصادية هائلة لهم ولأحفادهم فيما بعد..

إذا نظرت الى روما من أي زاوية اجتماعية، أو ثقافية، أو فنية، أو سياسية، أو اقتصادية؛ تجد روما أماً لكل الفنون؛ فنون النحت، والرسم، والثقافة، والتمثيل، والمسرح. من روما خرجت أفلام الرعب، ومن روما نجحت أفلام الكاوبوي الأمريكي بعد فشلها في أمريكا، وفي روما تجد الخير، وقمة الشر في ذات الآن.

العالم كله يتذكر حادثة اختطاف آلدو مورو رئيس الوزراء الإيطالي من قبل brigate rosse)) الألوية الحمراء، وقتله بعد رفض الحكومة الإيطالية تنفيذ مطالبهم، ووضعوه في صندوق سيارة متوقفة بالقرب من الحزب الديمقراطي المسيحي.

واحدة من ساحات منتصف روما (dom)، لا تدخلها السيارات لأنها للمشاة فقط، يجتمع عندها مئات آلاف البشر يومياً. رجال ونساء من مختلف الأحزاب الإيطالية، يمينية، ويسارية، يمين وسط، يسار وسط، اشتراكية، وديمقراطية مسيحية، كلهم يتناقشون بكل حرية بعيداً عن التشكيك، والتآمر، لأجل مصلحة الدولة العليا.

هذا الجانب هو أحد أهم ما يدور في ساحة الدوم، وهناك جوانب أخرى؛ فنون، ورقص، ورسم لوحات كاريكاتورية مقابل أجر مادي.

ربما تشاهد مسرحية في الهواء الطلق مقابل نقود بسيطة تدفعها وأنت غير ملزم بالدفع.
ربما تشاهد عرضاً موسيقياً آخر في جانب آخر من الساحة وتدفع أيضاً وأنت غير ملزم بالدفع، لكن هذه هي إيطاليا، وهذه هي روما، فيها كل ما يخطر على بال البشر من غرائب ومتناقضات وعجائب ربما لن تجدها إلا في بلد المافيا، بلد الحضارة القديمة، بلد الثقافات المتعددة، بلد الشعراء والعلماء، وطن ظهر فيه مايكل أنجلو، وليوناردو دافنشي، وغيرهم أعداد من العمالقة لا يمكن حصرهم بمقال..

روما دولة حكمت العالم تحت شعار: لو لم تكن روما روما لما كان العالم عالم: (se non fosse roma roma non sarebbe stato al mondo mondo)، وقال عنها بعض أولادها: روما العاهرة (roma buttana)...

عام (1982) فازت إيطاليا بكأس العالم الذي أقيمت مبارياته في إسبانيا، وكانت إيطاليا قد حصلت على كأس العالم للمرة الثالثة في تاريخها، وكنت يومها موجود في بيروجا وشاركت الطليان فرحتهم، وجنونهم، وظلت هذه الذكريات محفورة في ذاكرتي أحدث أولادي بما شاهدته من جنون كروي لم أشاهد مثله في حياتي..

أقول؛ هذه هي روما وبعض تفاصيلها غير المملة...

وستبقى روما فيها كل المتناقضات الجميلة التي ربما لن تجدها في أي مكان آخر على كوكب الأرض...



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات