اغلاق

أما آن لنا أن نَبني درجاً من تلك الحجارةِ التي تعثّرنا فيها…!! 


لا يختلف اثنان على ان الأزمة الاقتصادية في المملكة الأردنية، تلقي بظلالها على حياة المواطنين وتحديدا الطبقتين (الفقيرة والمتوسطة) ، فالأردن يفتقر لموارد الطبيعة وخاصة الطاقة (النفط ) ، اضافة الى شح في موارده المائية والتي تشكل معضلة رئيسية ، وزاد الامر تعقيدا تداعيات الاضطرابات السياسية والأمنية في كل من (فلسطين و العراق و سوريا) على النشاط التجاري وتبعات اللجوء اقتصاديا وخدماتيا وديموغرافيا ، في ظل هذه التعقيدات فالكل يبحث عن سبل حل يوفر للمواطن كرامة العيش، وفي وقت يرزح الوطن ويعاني المواطن وطأة كابوس الفقر وضغوط البطالة وارتفاع الضرائب الأسعار ، والفضيلة تقتضي الاعتراف بأن النهج والسياسات الاقتصادية المتبعة للحكومات المتعاقبة منذ سنوات قادت البلاد إلى ما تعيشه حاليا من أزمة مالية واقتصادية خانقة بفعل تراكمات من فشل اقتصادي متنامي منذ عقود دون محاولات جادة لحل وتصحيح المسار الاقتصادي والمالي ، يضاف لذلك ان هذه الأزمة ازدادت تعقيدا مع مطلع العقد الحالي لانعكاس تفاعلات دولية وإقليمية تمخض عنها أزمة اقتصادية عميقة فتراجع الدعم الخليجي المباشر ، وتزامن ذلك مع تقليص الدعم بشكل كبير لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين ، كما لا زالت تعاني مفوضية شؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة من نقص في التمويل لمواجهة المتطلبات الحياتية للإخوة اللاجئين السوريين والتي ضاعفت معاناة الاردن اقتصاديا ، والامر من ذلك كله قروض صندوق النقد الدولي المشروطة بإملاءات واجراءات اقتصادية تصحيحية قاسية ( تصحيح لم ننجح في تصحيح شيء على أرض الواقع ) ، فقد أصبح الدين العام يشكل عبئا اقتصاديا مؤلما (ليصل مقارنة مع الناتج المحلي الاجمالي الى 96.4%) مع عجز مزمن في الموازنة ، كثرة العقبات والعراقيل امام الصادرات الوطنية وتبعات ذلك سلباً على التصنيف الائتماني للمملكة) ، واصبح التعامل مع هذه الالام يشكل وصفة بالغة القسوة، ورافق ذلك كله فساد مالي وإداري ، تعدّد وتداخل المرجعيات وعدم استقرار في التشريعات الاقتصادية والمالية ، ولا زلنا نعالج الخطأ بالخطأ فرافق ذلك استبدال استراتيجيات الإدارة الاقتصادية الرصينة بإدارة الأزمة مرحليا بأشكال التمويل المختلفة ، فكان تركيز الطاقم الاقتصادي على الأولويات الطارئة على حساب النهج الكلي المستدام المَعنيّ والكفيل بحل جذور الأزمة ، فسلكنا نهج (الجباية) بدلًا من (التحفيز الاقتصادي المنتج ) وأقول هنا إن الاستمرار بهذه الطريقة المتبعة حاليًا في إدارة الموارد والإمكانات لا تُبشّر بالكثير، نظرًا لتعددية المرجعيات في القرار الاقتصادي والمالي ، والذي ساهم في تشتت المصالح وتباين القراءات . 

ومن حسن الطالع التنويه ان التزامات الدولة الشهرية حوالي مليار وسبعين مليون دولار، منها 120 مليون دولار فوائد لقروضها المحلية والعالمية ، بالمقابل فأن المملكة تحصل على ايرادات 930 مليون دولار شهريًا، (وعليه فالعجز الشهري يقدر بنحو 140 مليون دولار) منها 612 مليون دولار من الضرائب، كما يحصل الأردن على حوالي 80 مليون دولار شهريًا من المساعدات الخارجية ( الأمر الذي يقلص العجز ليبلغ 60 مليون دولار شهريًا ). 

وبعد الاستغراق في تشخيص الاسباب التي اوصلتنا الى هذا الوضع الاقتصادي الصعب اقول ما العمل للحد من تفاقم المشكلة واثارها المستقبلية ؟ واعتقد هنا وبرايي الشخصي ضرورة أن يترافق الإصلاح الاقتصادي بحزمة إجراءات حقيقية لضبط النفقات الحكومية ، ومكافحة الفساد وتجفيف منابعه، والتخلص من البيروقراطية التي ساهمت في تراجع الاستثمارات، وضرورة اعتماد الحكومات على الاسلوب المؤسسي للتخلص من المزاجية الفردية في اتخاذ القرار ، وكذلك تفعيل مبدا الرقابة الصارمة على جميع مؤسسات القطاع العام للتخلص من الفساد والمحسوبية والقرارات التي اضرت بالصالح العام (هدر المال العام ) ، كما يجب توحيد ارتباط وتبعية الصناديق والمؤسسات المالية الحكومية في مختلف الوزارات ليعاد هيكلتها على ان توضع جميعاً تحت ادارة البنك المركزي الاردني مثل (صندوق التنمية والتشغيل، مؤسسات تنمية اموال الايتام، البنك الوطني للمشاريع المتوسطة والصغيرة، صندوق المعونة الوطنية، ....) ، واخضاع جميع مؤسسات واجهزة الدولة دون استثناء للرقابة الدقيقة من قبل ديوان المحاسبة وخاصة على امر الانفاق المالي لكي لا يسمح لأي شخص كان وفي اي مكان العبث بالمال العام واستغلاله لمصالح شخصية ، والاسراع في دمج الوزارات المتشابهة والمتشابكة في العمل ، وتقليص عدد الهيئات والمؤسسات الحكومية المستقلة ، يرافق ذلك خفض الاعداد الضخمة المتخم بها البعثات الدبلوماسية الاردنية في سفاراتنا وملحقياتنا في الخارج والابقاء على اقل عدد ممكن لتسيير امورها ، والاصرار على الارادة الحقة في المكافحة الجادة والصادقة لأفة الفساد والفاسدين مع تغليظ التشريعات لانزال اقصى العقوبات لمن تسول له نفسه اختلاس اي جزء من المال العام، وتفعيل خطة التنشيط الاقتصادي التي اقرتها الحكومة مؤخراً والهادفة لرفع معدل النمو الاقتصادي ، وبذل جهد وعناية خاصة فيما يتعلق بجذب وتشجيع الاستثمارات المحلية والاجنبية والتركيز على المشاريع المنتجة والمحققة لعائد افضل للاقتصاد وذلك لزيادة الموارد المالية المتاحة للدولة لنصل بذلك لبناء موازنة قائمة على موارد مالية ذاتية اكثر ثباتاً واستقراراً بعيداً عن تلك الموارد التي تشوبها الضبابية كالبناء على المنح والمساعدات الخارجية غير المؤكدة ،وكل ذلك لن يتأتى الا بعزيمة وارادة وطنية صادقة ، لنخرج من هذا النفق المظلم بعونه تعالى وبهمة الغيارى المخلصين لتراب الاردن الاغلى .



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات