اغلاق

حتى لا يشعر الناس بالذل والقهر


ذهبت الاسبوع الماضي مهنئا اصدقاء لي تخرج ابنهم من الجامعة مهندسا مدنيا، كنت اقول لزوجتي في الطريق لم يعد تخرج الأبناء فرحة لا توصف، بل حملا وعبئا لا يستهان به لأنه سينضم لصفوف العاطلين عن العمل.

لم يكن ابن صديقي المهندس مبالغا حين أخبرني انه أرسل طلبات عمل لمئات الشركات ولم يتلق اجابة واحدة تدل على الاهتمام فقط، وما حدث معه تكرر مع كل زميلاته وزملائه الذين تخرجوا معه، وهو الآن يستعد للسفر لدول الخليج عند شقيقه ليجرب حظه ويجد فرصة عمل، وهاجسه الهجرة لأوروبا لعله يجد حياة مختلفة وضمانات للمستقبل.

بعدها بأيام التقينا مجموعة من الصديقات والاصدقاء على العشاء وكنا معا في الجامعة قبل عقود، كان النقاش يتركز على مستقبل البلاد في ظل هذه الظروف الصعبة والتحديات الاقتصادية الخانقة.

بداية الحديث كانت الشكوى من المواصلات والنقل، قيل لي ان تكلفة المواصلات وحدها للتنقل مرة واحدة لطالب في الجامعة يسكن في عمان ويدرس في اربد 150 ديناراً، هذا دون ان يأكل او يشرب، ودهشت حين علمت ان اجرة السرفيس من شارع الجاردنز لمجمع باصات الشمال 45 قرشا.

استذكرنا جميعا بحسرة حين درسنا في جامعة اليرموك في ثمانينيات القرن الماضي ان اجرة السرفيس لم تزد عن 5 قروش، ووجبة الغداء في الجامعة تشمل اللحمة او الدجاج مع الرز وطبق الفاصولياء او الملوخية لا يزيد عن 35 قرشا، وكان سعر الساعة الدراسية 4 دنانير ثم ارتفعت لاحقا لتصبح 6 دنانير، بمعني ان اقساط الجامعة في 4 سنوات لم تزد عن 500 دينارا.

تغيرت الدنيا كثيرا، والآن نسمع بأسعار فلكية لساعات الدراسة في الجامعات الرسمية قبل الخاصة، هذا عدا عن اسعار التعليم الموازي، وبعيدا عن كلف النقل واجور السكن والأكل، ولكن ما يستوقفني ويصيبني بالذهول والصدمة؛ هل مع هذا التزايد الخرافي في تكاليف الحياة ارتفعت الاجور والرواتب للناس في الأردن؟!

حين عدت للعمل في الأردن العام 1990 كان راتبي 250 دينارا وكنت اعاني مشقة الحياة، والآن وبعد 29 عاما ما يزال الحد الادنى للأجور 220 دينارا، والكثير من المكافآت والاجور في مهن مختلفة لا تتجاوز الرواتب في أحسن الاحوال 500 دينار، إذا افترضنا توفر فرص العمل بالأساس.

يواجه الشباب والشابات في الأردن تحديات الحياة والتعامل مع متطلباتها، ويجدون الافق مسدودا، فان وجدوا عملا فإنهم لا يستطيعون الزواج او بناء اسرة، أو تحمل تكاليف الحضانة والمدارس لأبنائهم، وبالتأكيد فان استحقاقات الطبابة لا تقل كلفة وصعوبة.

يحدثني اصدقاء لهم ابناء ما يزالون على مقاعد الدراسة ان اقساط المدارس الخاصة تصل 5 الاف دينار سنويا في المراحل الاولى من عمرهم، وهي ليست من المدارس الافضل، وحتى الحضانات حين تسمع بأقساطها ترتجف وتخاف.

بالتأكيد فإن هناك نزوحا في السنوات الاخيرة من المدارس الخاصة للحكومية، وجميعنا يعرف السبب وراء ذلك، ولو كانت نوعية التعليم مضمونة في المدارس الحكومية لما فكر 90 % من الأردنيين بإرسال ابنائهم للمدارس الخاصة، ولو وضعت وزارة التربية والتعليم انظمة وتعليمات لوقف تجارة التعليم لما وصلنا لهذا المأزق؟

الازمة لا تتوقف عند التعليم والعمل وانما تمس الصحة ومتطلباتها، فقبل ايام أرسل لي صديق يطلب المساعدة في الحصول على اعفاء طبي حكومي لوالد صديق له.

باختصار المريض المسن تعرض لأزمة صحية ولم تجد عائلته سريرا فارغا في العناية المركزة في مستشفى البشير، فأدخلوه مستشفى خاصا، وعلى الرغم من أن التأمين الطبي الحكومي يغطي 80 % من تكاليف العلاج فإن اهله لا يستطيعون تغطية كلفة 20 % لأنها بلغت آلاف الدنانير، سعيت لمساعدتهم لكن المريض توفي وانتقل لرحمة الله.

التعليم والنقل والصحة اهم ثلاث أولويات وتحديات تواجه الأردن، وإذا لم نجد حلولا سريعة فإن كارثة تنتظرنا، ولن نستطيع السيطرة عليها.

هذه حقوق للناس وليست منة، أو فضلاً وتكرماً من الحكومات، وعلى الدولة أن تهتم بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والا تتجاهلها وتغفلها حتى لا ينفجر المواطنون يأسا، وحتى لا يشعروا بالذل والقهر والهوان.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات