اغلاق

تحذير: مررها .. لا تدعها تقف عندك


بقلم : ايهاب سلامة

جارتنا أم محمود، أقسمت لنساء حيّنا، أنها رأت حلماً، أتاها فيه شيخ طويل القامة، يرتدي دشداشة بيضاء، وجهه كالنور، ولحيته مخضبة بالمسك، أمرها فيه أن تبلغ الناس، بأن كارثة وشيكة ستحل بالأمة، وحذّرها، أن تقصص رؤياها على خمسين شخصاً في هاتفها النقال، عبر واتس اب وفيس بوك وانستجرام .. ليبلغ كل واحد منهم بدوره، تحت يمين مغلّظ، خمسين من جماعته، بما رأت أم محمود، وإلا فان مصيبة ستحلّ عليه، تلعن أفطاسه !

مررها لغيرك، ولا تدعها تقف عندك !
الآف الرسائل تصلك يومياً على ذات الشاكلة، مروّسة بذات الوعيد والتهديد، تؤكد أنها مجربة ، وتستحلفك بالله أن تمررها لعشرات غيرك، وتعدك بسماع خبر سار ليلتها، وأنك أذا رفضت إرسالها، ستفقد شيئاً عزيزاً على قلبك ..

من اخترع هذه التقليعة، لا يدري، أن أمتنا، تعيش منذ قرون في كارثة، حتى استمرأنا سوء حالنا ، وغدونا نحن بأم أعيننا .. كارثة.

ومن يروّج هذه الرسائل المحمّلة بالويل والثبور، ربما غاب عنه، أن مصائب الأرض والسماء، حلّت بنا منذ عقود، ولن يضرنا مصيبة أم محمود الجديدة، قيد شلن.

نحن شعوب غارقة في جهلها وتخلفها، رغم ما تراه من قشور التكنولوجيا التي تستخدمنا ولا نستخدمها، وتبرمج عقولنا الفارغة وتطوّعنا، حتى تحولنا إلى قطيع الكتروني، نساق حيثما الريح شاءت، نعيش ونأكل، نشرب نتنفس ننام .. وعيوننا مبحلقة صبح مساء، في شاشات موبايلاتنا ..

ليلة خميس ..

تجتاحك كل ليلة خميس، مقاطع من أغنية ليلة خميس ، ترقص فيها صبية جميلة مسكونة بالغواية، لتغيظك .. وبعد برهة، يرسل لك من أرسل فيديو الصبية الجميلة ذاته، فيديو آخر، فيه شيخ ينوح، ويحذر من حرمة الاستماع أو مشاهدة الاغانيات الخليعة الراقصة؟!

تدرك كم نحن مصابون بالفصام، والهلوسة، وجميع ما في معجم الأمراض النفسية من مصائب .. نعيش بشخصيتين اثنتين، واحدة الكترونية، واخرى غارقة في البؤس والهزيمة والفراغ ..

جمعة مباركة ..

صبيحة اليوم التالي، تنهال عليك تحيات الجمعة المباركة ، رغم أن هذه الأمة المذبوحة من الوريد إلى الوريد، لم تشهد منذ عصور القحط، جمعة واحدة كما تشتهي ..

وصفات طبية وغذائية، يتطوع الجميع بأرسالها إلى الجميع، خلطات عشبية.. حكم وأمثال شعبية .. مواعظ وفتاوى الكترونية .. قصائد عشق .. لشعوب تقتات على الكراهية، ويعيش نصفها في مخيمات لجوء، بعد أن خلّفت بيوتها مهدمة على رؤوس أهليها، وهُجّروا عن أوطانهم التي ما عادت أوطانهم، وأُحلّت فيها دماؤهم دون أسف أو رحمة ..

واتس اب ..

رسائل عاجلة تنهال عليك، من مجموعات واتس اب ، قبيل الفجر وبعده: احذر .. السهر يسبب الخرف! .. واحذر من وضع الهاتف قرب رأسك وأنت نائم .. واحذر حتى من حذرك .. تسكنك الفوبيا، تتنفسك، تشعر أنك تعيش على حقل من الألغام، لا على كرة أرضية ..

تفقد اعصابك، وسط هذا السجن الإلكتروني الكبير الذي نساق فيه وراء ملايين المعلومات المتطايرة، والأنباء التي لا تعلم صحة رأسها من قدميها، ليخرج لك آخر النهار جارنا أبا محمود، زوج جارتنا الفاضلة، وقد نشر صورة على صفحته الفيسبوكية، لطبخة مقلوبة شهية، أعدتها له السيدة حرمه، كتب تحتها معلقاً: أمانة الله تفضلوا!

نتفضل على ايش عم أبو محمود؟ إصحى بربك! أو ع الأقل ابعتلنا ملعقة الكترونية يا رجل!
مررها يا رعاك الله ..



تعليقات القراء

ابو عادل
اضغاث احلام وتريد الحاجة توزيعها على كم هائل من مستقبلي الرسائل الالكترونية.
09-08-2018 04:15 AM
ابو السعيد
واقع الحال الذي نعيشه ...... يا ريت هالمقال يمر على كل بيت من بيوت المجتمع او بالاحرى بيوت الامة كلها لان واقع الحال لا يختلف من شرقها الى غربها
09-08-2018 05:40 AM
احد القرّاء...
ابدعت والله.، و اجمل ما قلت في هذا النص و قد اختصرت فيها كل ما قيل... ( التكنولوجيا التي تستخدمنا) ... كلام صحيح حرفياً..
09-08-2018 08:36 AM
أبو أحمد
هههههههه . صحيح كلامك ١٠٠٪ سلمت ايدك ، نحن فعلا ًكذلك . بس العتب على اللي يصدق هذه الخزعبلات.
09-08-2018 09:02 AM
نزيه خوالده
احسنت أستاذنا الفاضل
09-08-2018 09:27 AM
سامح الدويري
هذا ينم عن جهل القطيع ، وهل تصدق ان قطيعا يعرف غير كلمة ..ماع
09-08-2018 09:38 AM
عناء..
احسنت... مقالة رائعة جدا ومن ثنايا الواقع المؤلم...
09-08-2018 11:41 AM
حسين
ما هو الحل ؟ وكيف لمفكري الامة من تشخيص اسباب الداء وكشف الدواء ؟ الظواهر السلبية المُدمِرة مُشاهَدَة ولكن مالعمل ؟
09-08-2018 12:27 PM
ابو الحارث
بارك الله فيك استاذ نضال على هذا الإيجاز لحال الأمة .. فنحن أمة تعرف بما لا تعرف.
كل الشكر لابداعاتك دائما
09-08-2018 08:12 PM
صغار الغد
مقال جميل شكرا لك
28-08-2018 02:30 PM

أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات