اغلاق

القدس في عيون الأردن


لقد شكل الأردن وفلسطين تاريخًا مشتركًا طويلًا، فثمة ما يجمع بين الأردن وفلسطين من قواسم مشتركة ومتداخلة ووحدة مصير وتاريخ عميق وحتمية جيوسياسية، وعندما يتعلق الأمر بالمستقبل فإن العلاقة بين فلسطين والأردن علاقة تاريخية وإستراتيجية تدعمها بنية المجتمعين والواقع الجيوسياسي لهما، كما تدعمها المقاومة المشتركة للمشروع الصهيوني الذي ما زال يتطلع إلى بناء إسرائيل الكبرى، ناهيك عن التقاطع العقدي الإسلامي المسيحي الذي تقف في مقدمته القدس والمسجد الاقصى وكنيسة القيامة، فمنطق التاريخ والجغرافيا يؤكد قصة توأمة حقيقية ووحدة شعبية وقيادة هاشمية ساهرة على تحقيق طموحات البلدين والشعبين في الوحدة والأمن والاستقرار، حتى باتت عرى العلاقات الأردنية – الفلسطينية الشعبية والرسمية نموذجًا يحتذى، ومنذ أعلن الرئيس الأمريكي قراره بخصوص القدس كان رد الأردن واضحاً بأن قراره باطل قانونيًا ولا يعتد به، وأنه لا يعترف به وأن الإجراء لا يغير شيئا على الأرض، وما لا يعلمه الرئيس الأمريكي أن الديمغرافيا أقوى من حبر القرارات غير الشرعية، وأن الأردن والقدس في حالة ارتباط وجداني وثقتها دماء شهداء الأردن والجيش العربي على أسوار القدس وثرى فلسطين، وفي خضم هذه المرحلة التاريخية من تاريخ الصراع في المنطقة وتشكيل المحاور الجديدة، فإن الشعب في الأردن وفلسطين بات يوقن أن مصيره مشترك، وهذه المرحلة تتطلب اصطفافا خلف قيادة هذا البلد التي أثبتت مصداقيتها أمام العالم والأمة كلها، وما اجتماع المنظمة الإسلامية في تركيا إلا تأكيد على ذلك.

لقد شكل الإجماع الدولي في الجمعية العامة على قرار الأمم المتحدة القاضي ببطلان قرار الرئيس الأمريكي بشأن الاعتراف بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني، رغم القناعة بأن المجتمع الدولي ومنظماته لا تعدو أن تكون مسرحًا لتمرير مصالح الدول الكبرى، وأن الأمم المتحدة عبر تاريخها كانت سببًا في مآسي أمتنا وأنها ليست سوى منبرًا للكبار يتقاسمون فيه دمنا ومصالحنا عبر شرعية دولية زائفة يحكمها قانون " القوة"، ولكن هذه المرة وصل العالم إلى مرحلة اللاعودة حين دخل في منعطف جديد، يتمثل في أن قواعد اللعبة الدولية التي وضعها الكبار قبل مئة عام أصبحت غير ملائمة للقرن الحادي والعشرين وأصبحت الحاجة ملحة لإنشاء نظام عالمي جديد؛ لأن خارطة المصالح الاقتصادية والثقافية بلغت الذروة، وأصبحت "الاتفاقات والمواثيق" المكتوبة مستهلكة، لا سيما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وخروج الولايات المتحدة مهزومة من العراق وأفغانستان، فأوروبا وأمريكا اليوم تتغيران، وفي ظل الاتصال والتواصل الإلكتروني باتت الشعوب في أمريكا والغرب متابعة لكل التفاصيل والأحداث وردود الفعل السياسي والشعبي، وأصبح الصراع بين اليمين وبين التيارات الأخرى في دول الغرب يكاد يكون صراعًا فكريًا وقيميًا، ولم يعد رؤساء الغرب قادرين على الاصطفاف الاْعمى، فشعوبهم تحركت، وعندما تتحرك الشعوب يتغير المشهد العالمي برمته، ونأمل أن يكون نحو العدالة، فقد أصبحت فلسطين مثل فيتنام، شمعة توقظ الأمل للعالم لنشهد عهدًا جديدًا يتعلق بانهيار وسقوط التعسف والاستكبار الأمريكي وسقوط الشرعية الأخلاقية التي يتشدقون بها، وفشل صفقة القرن قبل طرحها وانكشاف ضحالة ما يسمى القيم الأمريكية، ونحن في هذه المنطقة يجب علينا أن نعي الاستحقاق القادم منذ سنين بأن الإمبراطورية الأمريكية انتهى عمرها، وأنها في طريقها إلى الزوال، وألا نراهن عليها لأن أمريكا سقطت ليست كقوة عظمى فحسب، بل لم تعد تمتلك العصا السحرية التي كانت تلوح بها للعالم قبل سنين، فهناك حتميات تاريخية، فالشعوب عملت على تحرير وتطوير الدول من مثل: جنوب إفريقيا، وكوبا، وروسيا، وفنزويلا، وبوليفيا، وقدمت الصين اقتصاديًا، وأعادت النظام في تركيا، ولذلك فإن معسكر الأصدقاء يعود ليهدد الاستكبار والرجعية والتعسف الأمريكي، لينشر العدل والحق والنصر للضعفاء، فالعالم يتفاعل ويتحرك مع القدس وشعب فلسطين، والقضية الفلسطينية تعود إلى الواجهة ، فقد تراجع النظام الرأسمالي الذي يطلب من الشعوب تطبيق العدالة والإنسانية، وباتت قضايا الشعوب مرتبطة مع بعضها البعض، وباتت منطقتنا منارة العالم ومحور السياسة الدولية، وبالنظر إلى فعل الشارع العربي والإسلامي والعالمي والشباب المتحمس فإنه يثير كل تفاؤل بالمستقبل، فمن لا يقف مع الحق الفلسطيني وقدس الأمة ليس له مكان تحت شمس التاريخ العربي والإسلامي، فكل المتغيرات تسير لصالح الحق الفلسطيني، وهذه فرصة للشعوب العربية لتثبت نفسها وأهميتها في حماية أوطانها ودولها، فالحالة الدولية اليوم ذاهبة نحو عصر جديد وشرق جديد وتحالفات جديدة في العالم والمنطقة، وسيكون للأردن المكان الأبرز والفاعلية السياسية.

أما في ما يخص بلدنا الحبيب الأردن وأثر وتداعيات هذا القرار وما خلفه، فحقيقة الأمر أنها لسعادة أن يلتحم الشعب والقيادة وأن تتجاوب الحكومة لهذا التلاحم في الذود عن الحق، ولكن وفي هذا السياق علينا ان نعي أن الهاشميين قٓبِلوا التكليف في الوصاية على القدس، وما الثورة العربية الكبرى في نبض الهاشميين الشرفاء إلا من وازع حبهم لهذه الأرض وإيمانهم بهذا الدين، وما قام به جلالة الملك عبد الله الثاني ويقوم به، إلا تحقيقا لهذه الوصاية التي كُلف بها أجداده وهو يحافظ على هذه الأمانة، وما استشهاد جلالة المغفور له بإذن الله تعالى عبد الله الأول بساحة المسجد الأقصى إلا تأكيدًا على حفظهم للأمانة ولو بدمائهم، ونحن الأردنيين أكرمنا الله بهذه القيادة الهاشمية، نصطف خلف مليكنا في تحقيق هذه الأمانة دفاعاً عن القدس ومقدساتها، ونَذكُر جميعًا حين قررت جامعة الدول العربية أن منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الوحيد والشرعي للشعب الفلسطيني، وما تبع هذا القرار مزيداً من العطاء للأهل في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وكان الأردن ولا يزال يفتح ذراعيه لكل عربي ضاق به الوطن أو نزح بفعل قسري أو باحث عن الأمن والاستقرار، وفي ما يتعلق باعتقاد البعض بأن موقف الأردن من القضية الفلسطينية والقدس سيترتب عليه خسارة بعض تحالفاته العربية والإقليمية والدولية، فإننا نعتقد بأن الآخرين هم من يخسر الأردن وحكمته وأصالته وشرعية النظام الهاشمي وتوازن مواقفه وقراراته التي تنحاز للحق والعدل والإنسانية والقيم وثوابت وآمال الأمة، فتاريخ الأردن هو المتحدث والشاهد على النوايا، ومنذ الثورة العربية الكُبرى مروراً بالمملكة المُتحدة ومجلس التعاون العربي، ما كانت إلا من أجل هدفٍ واحد هو نصرة الإنسان العربي والدفاع عن حريته وأرضه وكرامته، وفي ضوء ذلك لا بد من التأكيد على أن قضية القدس هي قضية عربية وإسلامية، لا تعني الشعب الفسطيني وحده، وعليه فإن التحالف والتوافق والتكامل بين الدول العربية وكل أبناء الأمة مفتاحٌ لاسترداد القدس وكل حق وأرض عربية سليبة، مع أهمية مواقف الأصدقاء في العالم لنصرة المبادئ وإعلاء لكلمة الحق، والذي في سبيله قدم الأردن التضحيات، فلن ننسى شهداءنا في فلسطين، وشهداءنا من القوات المسلحة الجيش العربي في الجولان على أرض سوريا، وسيبقى الأردن حصنًا عربيًا وإسلاميًا، فالأردن قوي بعروبته، وعظيمٌ بشعبه. وشامخٌ بقيادته.

حمى الله الوطن الأردني وشعبه الوفي .



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات