اغلاق

ذاكرة الشاي بالنعنع!


ما ان نستمع الى حديث عن الماضي حتى نسترخي. نستمتع بالقليل الذي كان. نُجلًسُ ذاكرتنا تحت شجرة في الحوش حولها تناثرت بفوضوية بريئة نبتات نعنع. نتذوق طعمها في الشاي. تقدمه الأم عصراً على صينية من المنيوم للوالد وأترابه اولاً ثم للابناء ، الأكبر وبعده الاصغر ، وقد لا يبقى في ما تبقى ما يشفي شغف الصغار اذا كان ضيوف رب العائلة كثر.

وتكر الحكايا (الجميلة) حبة حبة: طابة الشرايط ، اللحمة المفقودة ، القرش الغالي ، الكرش الممتلئ بالخبز الحاف وبالنشويات الكولسترولية ، الضو نمرة اربعة ، والكثير مما كان الماضي.

بعد ان تسترخي الذاكرة هي الاخرى ولا تعود تتذكر. نتحسس الكنبة التي نجلس عليها. تنقر اصابعنا على كيبورد الكمبيوتر الذي أصبح يحمل مصغراً في الجيب. ننظر الى الساعة لنعرف كم ساعة أضعناها في الماضي (الجميل) من حساب الحاضر. يقفز السؤال الملتبس: هل كان فعلاً جميلاً؟، ام انها اضغاث ذكريات. هروب من مواجهة الحاضر بواقعيته واجباريته. اذ لا يعقل ان تكون (فرشة) القطن المفروم او مسطبة باب الدار اكثر راحة من الكنبة أو من طقم كراسي الخيزران الذي ثمنه الآن يعادل مصروف عائلة متوسطة الحال لشهر كامل من عائلات الماضي (الجميل)،

واضح ان ثمة حلقة مفقودة بين الحقيقة وبين المتخيل. بين الماضي والحاضر ، وطبعاً المستقبل. فحين كان المواطن العربي منغرساً طيلة وقته في واقع متخلف اقتصادياً وعلمياً وصناعياً كانت قطارات العصر تطلق صافراتها الى المصانع والمدارس والمكتبات والمختبرات والمنتديات. لكننا لمن نكن نسمع ، ربما بسبب التباس مفهومنا بين التحرر والحرية او قصورنا في فهم معنى الحرية وماذا نفعل بها. وبسبب الوضع العام للوطن العربي ضاع المواطن العربي بين مفهوم الحرية لدى نيتشه وفرويد وكانط وبين مفهومها لدى جيفاراً وكاسترو وغاندي وحتى مانديلا.

ومع الزمن أصبح الفرق شاسعاً بين الانسان ونفسه وبين الوطن العربي والعالم. تشظت الشخصية وضاعت الطرق. فلا يساراً كان طوق النجاة ولا يميناً. ولا السفن كانت تبحر في بحر بل في سراب وظلام ابيض،.

أما الوطن العربي فقد اصبح جزراً معزولة تبحث عن منارات العولمة تجلس على أطلال حضارة العرب في الماضي (الجميل) نتذكر ونشرب الشاي بالنعنع،.
الدستور



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات