اغلاق

موت الصحيفة .. أم موت الصحافة؟


"انه انتصار آخر للتلفزيون والانترنت". هكذا وصف معلق بريطاني في جريدة الاندبندنت قرار شركة واشنطن بوست للنشر عرض مجلة "نيوزويك" العريقة للبيع الاسبوع الماضي بسبب خسائرها. اما صحيفة "نيويورك تايمز" فنشرت الخبر تحت عنوان"بيع نيوزويك: أفول حقبة" ، في اشارة الى المعاناة المستمرة لقطاع النشر الورقي منذ ان اكتسحت وسائل الاعلام الجديد من انترنت وفضائيات عالمنا مطلع التسعينات من القرن الماضي.

وبينما تنتظر "نيوزويك" مالكا جديدا ينقذها من الزوال ويمد لها حبل النجاة ، يحتدم النقاش مرة اخرى حول مصير الصحافة المطبوعة المأزومة بسبب تراجع المبيعات وعزوف المعلنين وتوجههم الى منصات ترويج جديدة في ظل تخبط اقتصادي. وحتى وان حافظت مجلة "تايم" ، المنافس التقليدي لنيوزويك على ربحيتها ، فان ناشرها يعترف بان ارقام التوزيع تقهقرت الى معدلاتها في ستينات القرن الماضي. وتراجعت مبيعات "نيوزويك" بحدود الثلث منذ مطلع الالفية الثالثة ، من حوالي ثلاثة ملايين نسخة اسبوعيا الى اقل من مليوني نسخة ، بينما بلغت خسائرها نهاية العام الماضي حوالي 28 مليون دولار.

صدرت "نيوزويك" قبل 77 عاما ، قبل ظهور التلفاز والانترنت والفضائيات ، في زمن ازدهار المطبوعات المصورة وخروج الولايات المتحدة من عزلتها. لكن النقلة الكبرى حدثت عندما اشترت الواشنطن البوست المجلة عام 1966 وجعلت منها منبرا للفكر الليبرالي المناهض لفلسفة المحافظين التي روجت لها "تايم". كان غلافا المجلتين في كل اسبوع بمثابة بوصلة للاعلام الاميركي وللرأي العام ، وظهر ذلك جليا ابان احتدام السجال حول حرب فيتنام وحقيقة ما يجري هناك ، اضافة الى الحراك المتعلق بالحقوق المدنية في اميركا. انبرت "نيوزيوك" لتقود حملة اليسار الداعية الى انهاء الحرب في الهند الصينية من خلال كشفها للمعاناة الانسانية في فيتنام وكمبوديا ولاوس.

بقيت "نيوزويك" مثالا على الصحافة الجادة والمسؤولة ، وعدت مدرسة خرجت اجيالا من الصحفيين والمصورين والمعلقين كان لهم اثر كبير على تطور المهنة خاصة مع بدء عهد التلفزيون وما تلاه من انبلاج عصر الفضائيات مثل السي. ان. ان ودخول العالم عصر الانترنت.

كغيرها من المطبوعات ، حاولت "نيوزويك" التأقلم مع استحقاقات حقبة الاعلام الجديد ، فغيرت من تصميم صفحاتها عدة مرات واعتمدت اساليب جديدة في عرض الاخبار والتعليقات والتحقيقات. لكن زمن الاعلام الجماهيري الكلاسيكي كان يشهد غروب شمسه. فتعدد وسائل الاعلام وثورة الاتصال الشخصي واقتحام منصات التواصل الاجتماعي المجال الحيوي للصحف والمجلات كل ذلك عزز ظاهرة التشظي أو التشرذم والتي تعد اليوم التحول الأكبر والأهم في عالم النشر.

من هو الجمهور المستهدف وكيف يمكن استقطابه والمحافظة عليه؟ هذه الاسئلة تؤرق الناشرين في كل انحاء العالم. بدون جمهور فان منظومة "الماس ميديا" تتعرض للتآكل وربما الانهيار. ومخطئ من ظن ان مواقع مثل "تويتر" و"فيس بوك" ، التي تحظى بجمهور يعد بالملايين ، يمكن ان تصنف ضمن تلك المنظومة. في حقيقة الأمر فان هؤلاء الملايين رغم تواجدهم ضمن نطاق موقع واحد ، الا انهم يتعاملون ضمن حلقات صغيرة قد لا تضم اكثر من عشرة اشخاص في الوقت الواحد.

وبينما شهد عالم النشر قرونا طويلة من الاستقرار والتطور البطيء ، فان وسائل الاعلام الجديد لا تزال تعيش الساعات الأولى لاندلاع الثورة الرقمية. ولنا ان نتخيل كيف سيكون شكل المدونات أو المواقع التفاعلية أو المحطات الفضائية بعد عقد من الآن ، خاصة مع اندماج وسائل الاتصال التي رأينا اولى محاولاتها مع اطلاق أبل لجهاز "آي باد" قبل شهرين.

قد ينبري مستثمر مغامر لانقاذ "نيوزويك" لكن الحقيقة المحزنة هي أن المطبوعة بأشكالها تشهد موتا بطيئا. لكن الصحافة التي عرفناها ليست فقط ورقا وحبرا وصحفيين ومحررين وآلات طباعة وسيارات توزيع واكشاك بيع ومكتبات. كل ذلك يعد التجسد الأول ، أو الطبيعة الاصلية ، لفكرة الصحيفة أو المطبوعة بكل ما تحوي من اخبار وتعليقات وصور واعلانات. ما اخشاه هو اننا لن نفقد المطبوعة فحسب بسبب ثورة الاتصال وانما جوهر الصحافة من تعددية آراء وتعليق جريء وكشف للحقائق وموضوعية الطرح وجمهور عريض يمثل كافة اطياف المجتمع.

لعلنا نشهد تقمصا ثانيا لروح الصحافة بعد ان تستقر الثورة المعلوماتية التي نعيش تجلياتها المدهشة. ولعل البعض يدرك ان المعلومة المجردة لا تصنع معرفة بالضرورة ، وان الاعلام الجديد لا يزال نخبويا رغم انتشاره ، وان الجمهور قد تشتت في السهوب والقفار الرقمية ، وانه في زحمة التعبير عن الآراء والعواطف نفتقد فكرا ثاقبا يصنع رأيا ويخلق حراكا،.

الدستور
 



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات