اغلاق

تداعيات وطنية على منوال واحد


يحزنني -ولست باشدكم حزنا- ما جرى ويجري على الساحة الوطنية. حتى تعاضد الحزن والغضب والشعور بالاحباط مع الذي يجري لاقصانا ومقدساتنا وحرماتنا وامتنا غربا وشرقا.

ليس الحزن شهوة عابرة وليست حالة من التشاؤم بقدر ما هي فائض قسري يطفح فوق شغاف القلب.
في ازمة ضابط الصف الاردني معارك ابو تايه. وأزمة السفارة والعمارة ومقتل ابنائنا بدم بارد.
ارجو الالتفات الى ما يلي:
يقولون "اعقل وتوكل". ويقولون من يقدم السبت سيجد الاحد امامه. ويقولون العدل اساس الملك. ويقولون "الظلم مؤذن بخراب العمران". مثلما يقولون "الظلم مرتعه وخيم".
أما نحن فقد انبرى لساننا ونحن نقول وقال مثلنا غيرنا من المئات والاف الاردنيين الغيورين على هذا الوطن وقيادته وترابه وشعبه. لكن الكلام كله – كالعادة – يتحول الى يباب تذروه أوهن النسمات. اذ لا حياة لمن تنادي. كان الوطن على مماس من اقتران متصاعد ساحة للنهب والسلب الممنهج المؤطر بقوانين وتشريعات جرى تكييفها والعبث بها كعابث بعود في تربة صحراوية لتناسب السارق وتشرعن المسروقات. اما الاردنيون فلطالما كانو منشغلين في منوال متواتر لاثبات ولاءاتهم وانتماءاتهم بلا طائل.
لم نكن نرى السرقة الا سياسة وفصاحة وعلو شأن . كنا نلحظ الفاسد يمارس الفساد طقسا من طقوس الرجولة حتى وقعت الفاس في الراس اليوم.
انقسم الوطن الى فئتين لا ثالث لهما. سارق محترف بغطاء شرعي محصن بشياطين الحالة المستعصية. ومواطن مخدوع لا حول له ولا قوة. وعلى راي الحشاشين " من شدة الطفر يرى البصقة على الارض قطعة من نقد لامعة". الم يقولوا : ان الجيعان يحلم بالعيش.
توالت اعمال الفساد باوجه متعددة. مرة على شكل وظيفة مرموقة عالية المدخول والامتيازات لابناء المحظيين. ومرة على شكل مقعد في مجلس الامة بشقيه الاعيان والنواب أو عضوية في مجلس ادارة لشركة ما او مسؤولا لا يسأل في هيئات تشجيع (الاستحمار). ومرة بالتنفيع من عوائد العطاءات المقسومة بين متعهد نكرة صار بين عشية وضحاها من امراء الوطن وبين من يسر وسهل له مهمة فتح المظاريف المكتومة للاطلاع على اقل العروض فيرسو العطاء عليه وكله طبعا (شندي بندي) او كما يقولون (ففتي 50% ففتي 50%).
الاردني يا جماعة (وتلك جدلية كبيرة) طيلة عمره الوطني كان اضحوكة ومهزلة وطرفة يتندر عليها الحشاشون والسكارى من علية القوم في مواخيرهم وسهراتهم الماجنة ليلا. كم من المرات قهقهوا وعلت ضحكاتهم وسط الشلة والعصابة وهم يقولون لبعضهم ارايتم فلانا (ابو...) ؟ طبعا فلان لم يكن الا مجرد رجل بدين جدا بدانة من انتفخ بطنه من الفاقة. لا يعرف في الحياة الا التلويح شراشيب الشماغ والدبكة. وهو يتمايل طربا على ايقاع المناسبات التي يقولون انها وطنية. ذات مرة صادفته خارجا يتمايل متحاملا متثاقلا من فرط البدانة والوهن من مكتب احد الباشاوات. صافحته وسالت عن اخباره (على راي الضعينة بانوثتها نجاة الصغيرة). قلت له ما الذي اتى بك الى هنا؟ قال لي: جئت ميمما وجهي (للباشا) ليتوسط لي لدى المستشفى..... لتركيب اسنان بديلة واصلاح ما تبقى منها. نعم انه على حق في ما يشكو ويقول لقد سقطت اسنانه الامامية وهو يصك على شماغه بها كي لا يسقط الرمز الوطني ارضا يصك فكيه وهو في حالة من الجنون والهيستيريا الوطنية ملوحا يقود فرقة الدبكة ال.......تلك الفرقة التي يشكل عديدها شبيبة حالمين عاطلين عن العمل. وجوههم شاحبة من القلة والحرمان التي يجللهما خيبة الامل. كل هذه المكابدة والمعاناة في سبيل فرحة للوطن تتلاشى كسراب بين عيني الناظر عن قرب. هي دوما مكابدات وطنية مصيرها كمصير القش ( قشاش البيادر) حين تهرس قمحه الدراسة (لوح الدراس) يذهب ادراج الرياح كما هي العادة في الحظوظ الاردنية التي تنكس على عقبيها وتعود القهقرى امام جبروت السفلة وطغيان الشرذمة الفاجرة من مسامير الصحن ( وما اكثرهم) وحملة البشاكير والمناشف وعلب البراصو (فالقرن النحاسي صلب ويحتاج الى تلميع بين فترة واخرى).
اما وقد شاخ وهرم العم ابو .... اللويح كما كل الاردنيين الشرفاء البسطاء السذج وفمه كمغارة مهجورة منذ زمن تخلو من اي بحصة او نتوء صخري يبعث فيها الحياة.
لطالما قلنا وبكينا وندبنا وناحت (النواح) حرائر الوطن والالم يعصر الاباء والاجداد ويهصر احلام البنات وعنفوان الشبان ليبيتوا على رهاب وقلق من غد مخيف مرعب حين يقول لهم الحظ العاثر هيهات هيهات. فالسراق مذهولون منشغلون في جمع ما وقعت عليه عيونهم وعيون اعوانهم من عملاء الاوطان ..
كم قلنا لكم: اعدلوا هو اقرب للتقوى. كم قلنا لكم : انصفوا فالنصف فيه الحق كله والانصاف مغنم وفضيلة. لكن هيهات ثم هيهات.
اليوم وفي الغد ومنذ اللحظة نتساءل بقلق ووجع. نقول: من يرد لنا ناقة الفطيم التي استلبها الغزاة؟ هل تقبل الفطيم عذرا حين نتعذر ونتعلل امام برائتها بسرقة الناقة الوحيدة التي تطفيء ظمأها وتقيت شيئا من جوعها.
لدي حكاية منذ سنين طويلة تراودني عن نفسها قالها لي ابي من قبيل التسلية ايام الشتاء ( مساء الخير يا ابت) ووالله انها لب القصيد:
يحكى ان غزاة مارقين باغتوا ليلا فريقا (حيا او موطنا) وسلبوا كل شيء في غيبة الرجال. كان من بين المسروقات ناقة وحيدة لرجل مسن عجوز. كانت هذه الناقة مصدر الحليب الوحيد لطفلة رضيع ماتت امها. فصارت الناقة امها. لحق بهم العجوز مسافة طويلة. اخذ ينده عليهم قائلا ( يا من يرد ناقة اللي ما يعرف العذر) (اي من يعيد لي ناقة الطفلة التي لا تعرف سبب حرمانها من الحليب ,وان علمت فلن تقنع ابدا زلن تعذر). سمعه احد اللصوص ممن احتفظ ببقية من الشهامة قال لهم: اعيدوها له ووالله لا عذر لهذا العجوز يقنع به الرضيع).
اليوم نحن نقول ونستمر في القول (يا من يعيد لنا زوادة البنين والبنات).
من يرد لهفة الطفلة الحويطية بنت البطل معارك الى صوابها؟
يا من يجيب سؤال الحرة الحويطية ام معارك وهي تتلفت مشدوهة من امر ما يجري؟ الم تقل له يوما : اذهن يا ولدي. خل الوطن بين عيونك. يا ولدي لعيون ابو حسين ولعيون الوطن دير بالك ع سلاحك وحرصك يا وليدي يمينك عن زنادك يخونك.
كتبها
طه عبدالوالي الشوابكه.



تعليقات القراء

خالد عطية السعودي
مقال رائع حول الأحداث الساخنة..
من أروع ما قرأت في هذا الموضوع ..
سلم قلمك
29-07-2017 11:11 PM

أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات