اغلاق

المعارضة ومسيرة الاندماج في الدولة


في عام 1965 قام رئيس الوزراء وصفي التل بزيارة سجن المحطة في عمان حيث كان عشرات من قادة المعارضة الحزبية والسياسية يقضون عقوبات مختلفة على وقع التطورات والاحداث التي وقعت في البلاد قبل 8 سنوات, لم يذهب التل الى مكتب مدير السجن لعقد لقاء ثم مغادرة المكان, انما امر بجمع المعتقلين السياسيين وادار معهم حوارا مطولا, كان من الصراحة, بحيث اعتقد المعتقلون انهم لن يغادروا السجن لكن ما حصل هو صدور عفو ملكي عنهم جميعا.

منذ ذلك التاريخ, وعلى مدى السنوات التالية, نجح النظام الهاشمي في استيعاب صفوف متعاقبة من المعارضين السياسيين, ولم يقتصر هذا الاستيعاب على اطلاق سراحهم, او السماح لهم ببعض الانشطة المحددة (في ظل الاحكام العرفية), انما عمل على دمجهم في مستويات مختلفة من ادارات الدولة, وبعضهم تولى مناصب قيادية سياسية وامنية حساسة, اضافة الى تعيين وزراء ومحافظين ومدراء وسفراء من بين صفوف هؤلاء المعارضين.

لم يؤد اندماج المعارضات المختلفة, في مسيرة الدولة, الى ضعضعة الامن والاستقرار. ولا اعاق النمو الاقتصادي, والتنمية الاجتماعية والثقافية, انما ادى الى رفد هذه المسيرة بالخبرات والتجارب, وغذاها بالافكار والمبادرات, التي اصبحت جزءا من انجازات الوطن وميزات النظام, وأشاعت له سمعة طيبة في المنطقة والعالم. كنظام نبذ القمع وسياسة التصفيات الجسدية والمعتقلات السوداء.

لا تعرف الاجيال الحالية جوانب من السيرة الذاتية لعدد كبير من رجالات الدولة والادارة, التي تؤشر على مساحات زمنية, قصيرة وطويلة, كانوا فيها في صفوف المعارضة الحزبية والسياسية, او نزلاء في السجون او مقيمين في المنافي قبل ان ينتقلوا الى مركز الولاء للنظام.

مثل هذا التصحيح في الوعي التاريخي ضروري, حتى لا يذهب الظن بعيدا بمن لا يعرف المسيرة السياسية الاردنية, بان التعايش بين النظام وبين المعارضة, لا يقتصر على فترة ما بعد عام ,1989 انما كانت لهذا التعايش محطات عديدة قبل ذلك, دلت على أن من اشنع الاخطاء التي يرتكبها سياسي, الاعتقاد, بان هناك حدودا وفرزا يجب ان يُبقي على حالة الفصل والعزل بين الحكم والمعارضة بمختلف انواعها, احزابا وشخصيات وتيارات سياسية.

ليس هذا من طبائع النظام الاردني الهاشمي القائم على اعتماد المصالح الوطنية العليا في المنعطفات الحاسمة, واللجوء الى كل ما يوحد الجهد الوطني عندما يواجه الاردن اخطارا وتحديات خارجية, فلولا هذه السياسة الحكيمة, القائمة على (دولة تستوعب الجميع) لما نجحت البلاد في تخطي جميع المؤامرات والاحداث والاستهدافات الخارجية لأمن الاردن ومستقبله واستقراره.

ولن اقوم هنا, بمهمة المؤرخ لاستحضار الشواهد والتواريخ على صحة ما ذهبت اليه, فكل اردني عايش العقود الثلاثة الاخيرة يؤمن بان الحكومات لا تكون دائما على حق في قراراتها وسياساتها, وكذلك المعارضة بكل اطرافها, وبأنه لا سبيل امام الاردن في كل حقبة ومرحلة تاريخية, سوى اندماج الجميع في عملية المشاركة السياسية والاصلاح والتنمية, خاصة بعد ان اصبح الاردن من البلاد المعدودة في المنطقة التي لا توجد لها معارضة في الخارج.

سيظل صوتا نشازا, او على الاقل, اصحابه قليلو الخبرة والتجربة, ذلك الصوت الذي يعتقد بان عقلية الحارة, والمحاصصات, والتهميش والادعاء بعبقرية النخب, او التعصب للحلول الخيالية, يمكن ان تدّعي احتكار صنع حاضر ومستقبل الدولة. وعلى الاقل, فالموقع الديمغرافي والسياسي الفريد للاردن يفرض حكمة الوحدة الوطنية, كما ان التحديات تفرض مقولة ان الجميع في قارب واحد, الدولة والحكومة والمعارضة.0

taher.odwan@alarabalyawm.net

العرب اليوم



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات