اغلاق

مَشْبَك شَعَر



‎هي الليلة الأخيرة في العشرينيات لأصبحَ بعدَها رجلاً
‎ثلاثينياً ، حتى الرجال كالورود يخافون من عقارب الساعة ، هي ليلة الجرد العاطفيّ ، وليلة حصاد الأحلام ، وليلة نضوج العاطفة والحكمة والفلسفة ، في هذه الليلة أصبح أكثرَ أناقةً في إنتقاء أحلامي ، كعريسٍ أفنى عُمْرَه
‎في إنتقاء " ببيونة" ، وأصبحُ أكثر سلاماً وتصالحاً ومحبّةً مع الذات ، وأصبحُ أكثر صبراً على صبر القدر ، كطفلٍ في اليمّ ألقوه ، ليغرقوه ، فماتوا ، وما أماتوه ، أَبتْ أمهات الأيام أنْ تُرضعه ، فإلى سريره أرجعوه ، الليلة يخرج الطفل من صدري حافياً من كلّ عيون الناس ، ليركض فوق طين أحلامه القديمة
‎ويصرخ ..ويصرخ .. ويصرخ...

في الأمس الهامس ونحن أطفالٍ كنّا نحلم مغمضيّ الأعين غَيْرَ خائفين على ألعابِنا النائمة من يقظة لصوص آخر الليل ، الليلة كبُرنا أكثر مما ينبغي وصرنا نحلم مفتوحيّ الأعين كي لا يسرق أحلامنا أحد ، في الأمس لم يكن على عرش أمنياتنا أوصياء ، ولم يكن هناك عزيز مِصْر حاكماً على خزائن ألعابنا ، ولم تكن الملائكة توّثق مخططاتنا الإرهابيّة المحشوّة في "كرّسات" الرسم ، كنّا كـــلّ ليلة وقبلَ أن نخلُد لوسائدنا ، نتعرّبشُ على سلالم السماء لنهمس لله بأشياءٍ ونعود ، كانت أعظم هزيمة لنا ، أنْ يمحو البحر قلعةً أمضينا ساعات في بناءها ، ولم نكن نعلم بأنّنا سنكبر وسيكون هذا البحر هو طوق نجاتنا الوحيد ، وسفينة نوح التي تنقذنا من طوفان هذا العالم ، كانت أعظم أحلامِنا أنْ نلمح "بنت الجيران" واقفةً خلفَ النافذة ، وأعظم إنجازاتنا سرقة اللوز من بيتٍ العجوز المجاور لمدرستنا ، وأعظم مكتسابتِنَا "حصّالة" تملؤها أمهاتنا بالقطع النقديّة ليلاً دون أنْ نعلم ، وأثقل همومنا حقيبة مدرسيّة مكتظّة بالكتب ، كم كنّا كِباراً في ذلك الوقت .

يا ليتَ كانَ بإمكاني توثيق الدقيقة الأولى للحظة ولادتي ، حينَما كنت أبكي عارياً من كـــلّ الأحلام المفصّلة مسبقاً ، والأسماء المُسّتعِرة المستعارة ، والتقاليد المقلّدة ، والطقوس الباردة ، و"كتالوجات" الحبّ العفِنة التي نرغم على الإختيار من قائمتها المجهّزة لنا مسبقاً كزبائنٍ تقليديين في دكاكين العاطفة ، تلك الدقيقة هي دقيقة الحريّة الوحيدة في هذا العالم الإفتراضي ، والذي يعتبر كـــلّ أحلامك أيضاً أمراً إفتراضيّاً ، أرغمونا على أن نصبح عشّاقاً من خيطان وصوف تماماً على مقاس عقولهم المُتخمَة ، علّقونا في مسرح ضخمٍ للدُمى المُتحرّكة ، الجميع يحرّكها كيفما يشاء ، إنتهاءً بعرضٍ ختاميّ مدهش ، تسقط الدُمى باكيةً ويصفِّق الجمهور لبكاءها بحرارة . لا تكنْ نصّاً على الهامش أو حتّى في المُنتصَف ، بل كُنْ نصًّا مُختلِف ، إنهمرْ كالسيل خلفَ أحلامك ولا تقِفْ ، السعادة هي الوميض الذي في داخلك ، وليست في مساحيق التجميل التي شوّهت عقول الكثيرين من الذين يحاولون أنْ يفرضوا علينا عالمَهم.

صديقي صديقتي ؛ الحياة معركة فكنْ أنيقاً في إنتقاء معركتك ، هناك من يُقاتل لأجل المال أو السلطة أو الكراسي أو الشُهرة ، وأنا أخترتُ أن أقاتل من أجل "مَشْبَك شَعَر " ، سيبقى الحبّ معركتي المقدّسة التي إنتقتني قَبْلَ أنْ أنتقيها ، ينازلُني هذا العالم لأتخلّى عن معركتي ، يفاوضني يقايضني يقامرني فأتعبُه فيقتلني ، ومن ثمّ لم ولن أموت ، لن أترك عربة الورد في المعركة وأرحل ، لن أترك أسماك البحر عطشى والماء ملئ جفوني ، سأقاتل وأقاتل ، وأغنّي للرصاص العازف حولي " لا أسمع على ألأرض سِوى زركشات الخلاخل" ، قاتلْ وَإِنْ لم تستطعْ العيشَ لأجلها ، فمتْ وأنتَ "أحاول".

صدّقني وصدّقيني أو لا تصدّقوني -بل عليكم أنْ تصدّقوني - ، لن يشارككم أحد وسائد نومكم إلاّ من تُحبّون ، لن يقرأ أحد دفاترَ أعينِكم إلاّ من تُحبّون ، لن تُلْقُوا سِلال أوجاعكم إلاّ على صدر من تُحبّون ، لن يقاسمكم أحد حلوى الفرح إلاّ من تُحبّون ، لن يُخاصر أحد أحلامَكم ويُراقصُها إلاّ من تُحبّون ، لن يمسح أحد بياضَ الأيام عن حواف شعركم إلاّ من تُحبّون ، لن تتمنّوا أنْ تشيخوا على أرجوحة إلاّ مع من تُحبّون ،،،،، فأظفروا بمن تُحبّون



تعليقات القراء

فاطمة
روعاتك
ابدعت ....
29-05-2017 02:27 PM

أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات