اغلاق

مؤسسة الأسرة وبناء الرجال!


قرأتُ كغيري الحكمة الجميلة التي توصل إليها الشعب الصيني العظيم والمتعلقة بسقوط سور الصين العظيم, فأحببت أن أنقلها لحضرتكم مع بعض التعديل والتهذيب والتعليق والزيادة للفائدة ليس إلا، تقول الحكاية يا سادة يا كرام عندما أراد الصينيون القدامى أن يعيشوا في أمان، بنو سور الصين العظيم, واعتقدوا بأنه لا يوجد من يستطيع تسلقه لشدة علوه وقوة بنائه الخارجي، ولكن ما الذي حدث بعد بنائه؟ خلال المائة سنة الأولى بعد بناء السور تعرضت الصين للغزو ثلاث مرات! وفي كل مرة لم تكن جحافل العدو البرية في حاجة إلى اختراق السور أو تسلقه من الخارج, بل كانوا في كل مرة يدفعون (للحارس) الرشوة ثم يدخلون عبر الباب,...لقد انشغل الصينيون ببناء السور ونسوا بناء الحارس الأمين, ونسوا أن يحكموا بناءهم من الداخل, فبناء الإنسان وحمايته من الداخل, يأتي قبل بناء كل شيء من الخارج وهذا ما يحتاجه أبناؤنا وبناتنا ومجتمعاتنا، وكل فرد اليوم وغدا.
تحت عنوان (جهنم في الكرامة) وعلى لسان الكاتب الإسرائيلي افيتار بن تسيدف, اعترف الإسرائيليون أن الجيش الأردني حقق نصرا وكرامة خالدة في 21 آذار 1968 عليهم, وإنهم ذاقوا أول هزيمة عسكرية منذ اغتصابهم لفلسطين في العام 1948, ترتب على ذلك عندهم جملة من الإقالات لبعض الجنرالات نتيجة لهذا الإخفاق العسكري, ثم عكف كثير من الخبراء العسكريين عندهم على دراسة وتحليل أسباب هذا الفشل, ودراسة وتحليل أسباب النصر الذي حققه الجيش الأردني,..لقد توصل هؤلاء الخبراء عندهم ليكتب احدهم: لقد تبين من معركة الكرامة أن الجندي الأردني قد بني بناء جيدا بمؤسسة الأسرة بالإضافة إلى الكفاءة والتدريب والاقتدار العسكري بما يجعله قادرا على مواجهة قوات الجيش الإسرائيلي والوقف أمامه في معركة دفاعية ذكية أدارها الجيش الأردني بنجاح كبير واقتدار, ثم قال آخر: لقد توصلنا إلى حقيقة لا تقبل الشك مفادها أن الجندي الأردني خلفه ثلاث مؤسسات قوية هي مؤسسة الأسرة ومؤسسة المدرسة ومؤسسة عسكرية قوية حققت له النصر, رغم تواضع سلاحه في المعركة.
يجمع الباحثون (بلودوين, وسبنس, وهاربرت)في مختلف الميادين على أهمية الدور الذي تلعبه (مؤسسة الأسرة) في التنشئة الاجتماعية للطفل، وهم بذلك ينطلقون من الأهمية الخاصة لمرحلة الطفولة على المستوى البيولوجي والنفسي والاجتماعي, حيث تؤثر الأسرة على بناء شخصية الطفل في جميع جوانب بناء شخصيته بفضل عاملين أساسيين هما النمو الكبير الذي يحققه الطفل خلال سنواته الأولى جسدياً ونفسياً، ثم قضاء الطفل لمعظم وقته خلال سنواته الأولى في عملية التعليم تحت ظل الأسرة, ويُرجع فرويد الأمراض النفسية كالخوف والاضطرابات، والعقد النفسية إلى مرحلة الطفولة المبكرة, نتيجة للخبرات النفسية القاسية التي مر بها وعاشها الطفل في هذه المرحلة، فإذا وجد الطفل خلال هذه المرحلة في كنف الأسرة، فإن للأسرة دوراً حاسماً في تحديد شخصية الطفل، وتحديد مستوى نمائه وتكامله, على مختلف المستويات الانفعالية والمعرفية والجسدية والاجتماعية.
مؤسسة الأسرة ممثلة بالأبوين تحديدا معنية بتوفير (العدل والمساواة) بين جميع أبنائهم, وقد دلت جميع الأبحاث أن الأطفال الصغار يلاحظوا طريقة وطرق عدل ومساواة ألأبوين نحوهم في جميع الجوانب المعنوية والمادية, وان كانوا لا يعبروا عنها وهم صغار إلا أنهم يعبروا عنها وهم كبارا وتنعكس على علاقات الإخوة بعضهم مع بعض فيما بعد,..كذلك مؤسسة الأسرة ممثلة بالأبوين تحديدا معنية بـــ(الاستماع) لأبنائهم ولأخر كلامهم, فحديث الأطفال مهما كان نوعه مهم جدا للأطفال في إكسابهم مهارات عديدة أهمها تدريب الأطفال على مهارة ترتيب الأفكار, ثم تدريب الأطفال عل مهارة ترتيب أزمنة شخوص الأحداث, وتحديد أمكنتهم,..أيضا مؤسسة الأسرة ممثلة بالأبوين تحديدا معنية بـــ(حوار ومناقشة) أبنائهم حول موضوع معين, فحوار الأبناء ومناقشتهم يكسبهم مبدأ الديمقراطية والاقتناع والإقناع لمسألة مطروحة.
كذلك مؤسسة الأسرة ممثلة بالأبوين تحديدا معنية بإكساب أبنائهم مهارة (التفاوض) حول قضية معينة, ومهارة التفاوض من أعلى المهارات الحياتية المهمة في حياة الطفل, ويؤكد الخبراء أن التفاوض هو عملية تفاعل بين طرفين للتوصل إلي اتفاق مقبول للإطراف بشأن موضوع أو قضية معينة, لتضييق مساحة الاختلاف وتوسيع منطقة الاشتراك بينهم من خلال المناقشة والتضحية والحجة والإقناع والاعتراض للتوصل إلي تسوية مقبولة لجميع الأطراف, إنه ليس عملية بيع، بل هو نظام من الأخذ والعطاء للوصول إلى اتفاق بين جميع الأطراف.
بقي أن نقول مؤسسة الأسرة لدى حارس باب سور الصين العظيم الذي قبل رشوة الغزاة لديها خلل في بناء الشخصية باعتراف الصينيين أنفسهم حين قالوا أن الصين استطاعت بناء سور عظيم لكن لم تستطيع بناء الحارس, وان مؤسسة الأسرة لدى الجندي الأردني الذي حقق نصرا في معركة الكرامة مؤسسة عملاقة, فقد عملت هذه المؤسسة على بناء هذا الجندي بناء صحيحا سليما باعتراف الإسرائيليون أنفسهم,..نعم بناء الجندي, وبناء الطبيب, وبناء المهندس, وبناء المعلم, وبناء..., بداية حياتهم(أطفالا) في مؤسسة الأسرة من خلال توفير العدل والمساواة بين الأبناء, ومن خلال الاستماع لهم, ومن خلال حوارهم ومناقشتهم, ومن خلال مفاوضتهم أطفالا يعد أمرا في غاية الأهمية والخطورة.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات